يقال فيمن خرج على السلطان وخلع طاعته ودافع عمّن يريد السلطان ضربه وحبسه وإيلامه والإضرار به : إنّه ناصره . فظهر الفرق بين النصرة والشفاعة .
وإنّما نفى جلّ جلاله في هذه الآية النصرة التي نفاها بقوله :
« فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ
الآية » « 1 » . ثمّ ولو سلّمنا لهم أنّ الشفاعة تسمّى نصرة حقيقة أو تجوّزا ، كان لنا أن نقول ما قلناه في الآية الأولى من النزاع في صيغة العموم ، ومن أنّه لا بدّ لهم من المصير إلى تخصيص الآية .
ومنها : قوله تعالى وتبارك :
« وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى »
« 2 » .
والجواب أن نقول : المراد بقوله :
« وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى »
أن يشفع له . وهكذا نقول نحن ، لأنّ عندنا أنّ الشافعين إلى اللّه تعالى من الملائكة والأنبياء والمؤمنين لا يشفعون إلّا لمن أذن لهم ربّهم تعالى في أن يشفعوا له .
والدليل عليه قوله تعالى :
« مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ »
، وقوله عزّ وجلّ :
« وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى »
« 3 » .
وليس لهم أن يقولوا : ظاهر الآية يقتضي خلاف ما ذكرتموه من حيث إنّه ليس في الآية إلّا لمن ارتضى أن يشفع له .
ويدلّ على ما نقول من أنّهم لا يشفعون إلّا لمن كان مرتضى عنده تعالى ، وهو المطيع المستحق للثواب ، إذ العاصي المستحقّ للعقاب لا يسمّى مرتضى ، وذلك لأنّ الرضا هو إرادة مخصوصة ، فلا يتعلّق بنفس المشفوع لهم ، وإنّما يتعلق بأفعاله وطاعاته . فعلى قولهم كأنه تعالى قال : لا يشفعون إلّا لمن ارتضى فعله وايمانه . فلا بدّ لهم أيضا من الإضمار والعدول عن الظاهر . وإذا جاز لهم ذلك ،
هامش
( 1 ) القصص : 81 .
( 2 ) الأنبياء : 28 .
( 3 ) النجم : 26 .