المشاهدات ، حتى نجوّز أن يحضرنا جسم كثيف ولا نراه ، وأن يكون من رأيناه شابّا كهلا ، ولكن لا نرى شعراته البيض ، لثبوت مانع زائد يمنعنا من رؤيتها ، ولا طريق إلى إثبات ذلك المانع ، وأن نجوّز أن يكون التصرّف الذي يجب وقوعه بحسب قصدنا ودواعينا ، لا يكون فعلا لنا ، بل يكون فعلا لغيرنا . وكذا يلزم في الموجبات حتّى نجوّز أن يكون الحكم الذي يجب عند أمر من الأمور يثبت بثباته ويزول بزواله لا يكون صادرا منه ، وإنّما يكون حاصلا لشيء آخر لا طريق لنا إلى إثباته ، وذلك جهالة .
وعلى هذا نفى أصحاب الصفات صفات زائدة على ما أثبتوها ، فلم يثبتوا له تبارك وتعالى علمين وما لا يزيد عليهما ، ولا قدرتين ولا حياتين ولا إدراكين ولا إرادتين ولا بقاءين ، ولا ما يزيد على ذلك لمّا لم يكن إلى هذه الزوائد طريق ، وكذا لم يثبتوا له صفة خارجة من قبيل الصفات التي أثبتوها له لفقد الطريق إليه .
فإن قيل : إذا لم يدلّ دليل على ثبوت أمر لا يجب إثباته على ما ذكرته ، ولكن لم لا يجوّز ثبوته بأن يقال : كما لم يدلّ على ثبوته دليل فكذلك لم يدلّ دليل على انتفائه فيجب أن يكون مجوّزا .
قلنا : إذا جوّزنا ثبوت ما لم يدلّ عليه دليل أي : ما علمنا قطعا أن لا دليل عليه لم يكن تجويز أمر أولى من تجويز ما زاد عليه ولم يثبت أولويّة في تجويز عدد دون عدد ، فيجب تجويز ثبوت ما لا يتناهى وما لا يتناهى محال ثبوته ، وما يؤدّي إلى تجويز ثبوت المحال يكون محالا .
فإن قيل : لا يلزم على القول بجواز ثبوت ما لا دليل على ثبوته الجهالات التي ذكرتموها وتجويز ما عددتموها من الأمور التي علم نفيها . وذلك لأنّا إنّما نجوّز ثبوت ما لم يدلّ دليل على ثبوته باعتبار أن لا يدلّ دليل على انتفائه . فأمّا ما دلّ دليل على انتفائه فإنّا لا نجوّز ثبوته ، وقد دلّت الأدلة القاطعة على انتفاء الأمور التي ذكرتموها .
المنقذ من التقليد — صفحة 78
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٧٨