أخر ، سوى ذاته تبارك وتعالى ، هو أنّه لا طريق إلى إثبات تلك الذوات ، وما لا طريق إلى إثباته يجب نفيه ولا يجوز إثباته .
فإن قيل : لم قلتم إنّه لا طريق إلى إثبات ذوات أخر تقف هذه الصفات عليها ؟ .
قلنا : الطريق يجب أن يكون له تعلّق بما يكون طريقا إليه ، وإلّا لم يمكن بأن يدلّ عليه أولى من أن يدلّ على غيره ، والعلقة إنّما هي للأثر بالمؤثّر وللمؤثّر بأثره ، فيمكن الاستدلال بالأثر على مؤثّره وبالمؤثّر إذا كان موجبا على أثره .
فإن قيل : أليس المشروط يدلّ على شرطه ، كدلالة كونه عالما قادرا على كونه حيّا ، وليس الشرط مؤثّرا في المشروط ، ولا بالعكس وكذلك فإنّه يستدلّ بأحد المسبّبين على المسبّب الآخر ، كاستدلالنا بالصوت من فعلنا على الاعتماد والكون اللذين يصاحبانه وليس أحد المسبّبين مؤثّرا في الآخر ، فكيف يصحّ قولكم بأنّ العلقة بين الدليل والمدلول إنّما هي بطريقة الأثر ، لا غير .
قلنا : الشرط إنّما ليس له تأثير في تحصيل المشروط ، ولكن له تأثير في تصحيحه ، فحصول المشروط يدلّ على صحّة حصوله ، وصحّة حصوله يدلّ على الشرط ، وهي من تأثيره وكذلك أحد المسبّبين إنّما يدلّ أوّلا على سببه ثمّ لمّا علم أنّ ذلك السبب يولّد المسبّبين جميعا استدللنا بثبوت السبب المولّد على المسبّب الآخر ، فقد حصل فيه الاستدلال بالأثر أوّلا على المؤثّر ، وبالمؤثّر المولّد على المسبّب ثانيا ، فلم يخرج عمّا قلناه .
فإن قيل : أليس المشايخ قسّموا التعليق بين الدليل والمدلول على أربعة أقسام ، فقالوا : إمّا أن يدلّ الشّيء على ما لو لاه لما صحّ ، كدلالة الفعل على فاعله القادر ؛ أو على ما لو لاه لما وجب ، كدلالة الحكم المعلّل على علّته المؤثّرة فيه ؛ أو على ما لو لاه لما اختير ، كدلالة القبيح على جهل فاعله أو حاجته ؛ أو على ما لو لاه لما حسن ، كدلالة المعجزة على صدق من ظهر عليه . فكيف حصرتم
المنقذ من التقليد — صفحة 75
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٧٥