تعلّق الدليل بالمدلول في دلالة الأثر على المؤثّر ، والمؤثّر الموجب على الأثر ، مع علمنا بأنّ القسمين الآخرين خرجا عمّا ذكرتموه ؟ .
قلنا : القسمان أيضا لا يخرجان عمّا ذكرناه ألا ترى أنّ القبيح إنّما دلّ على جهل فاعله أو حاجته ، من حيث إن جهلة بقبحه أو حاجته إليه هو الذي يدعوه إلى فعله ويصير فعله القبيح عنده أولى بالوجود . فله هذا الأثر ، وهو أنّ وجود القبيح صار أولى من عدمه عند هذا الداعي فكان ملحقا بدلالة الأثر على مؤثّره .
وكذا القول في الوجه الثاني ، وهو أنّه لولا صدق المدّعي لما حسن إظهار المعجز على يده ، فصدق المدّعي هو الوجه في حسن إظهار المعجز ، ووجه الحسن مؤثّر في الحسن ، فصحّ أنّه لم يخرج عمّا ذكرناه ولا أثر لهذه الذوات يستدلّ به عليها . الا ترى أنّ صحّة الفعل منه تبارك وتعالى إنّما يقتضي كونه تعالى مباينا مفارقا لغيره مباينة ومفارقة لمكانها يصحّ منه الفعل .
وكذا تعلّقه بالمعلومات وصحّة الإحكام منه إنّما يدلّ على مباينة ذاته لغيره مباينة لمكانها يتعلّق ويصحّ منه إحكام الفعل .
وكذا القول في صحّة كونه عالما قادرا .
ومباينة الشيء لغيره إنّما تدلّ على مزيّة الشيء ، إذ لم يمكن أن يكون الشيء بنفسه مباينا لغيره به فحينئذ يحكم بأنّه إنّما ميّز غيره بأمر زائد على ذاته . كما في الشاهد ، فإنّ أحدنا إذا صحّ منه الفعل أو إحكامه ودلّ ذلك على أنّه مفارق لغيره مفارقة لمكانها صحّ منه الفعل أو إحكامه ، لم يمكن أن يقال : إنّما فارق غيره هذه المفارقة بنفسه وذلك لأنّ له أمثالا تشاركه في حقيقته وتماثله ، كجسم الجماد والعاجز وغير العالم ، ومع ذلك لا يصحّ منها الفعل ولا إحكامه ، فدعت الضرورة إلى إثبات مزية بها فارق غيره .
وليس كذلك فيه تبارك وتعالى . وذلك لأنّه لا مثل له فيقال : لو كان
المنقذ من التقليد — صفحة 76
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٧٦