القول في جميع الصفات . ومعلوم تعذّر التميّز بين علم وعلم وقدرة وقدرة وحياة وحياة في صفاته تبارك وتعالى من حيث أنّ جميع ما يتعلّق به أحد العلمين يتعلّق به العلم الآخر . وكذا القول فيما يتعلّق به إحدى القدرتين . فما كان يمكن أن يتميّز البعض عن البعض بتغاير المتعلّق ولا بتغاير الموصوف بها ، فإنّ الموصوف بالجميع ذاته تبارك وتعالى ، ولا بتغاير الزمان ولا بثبوت حكم للبعض دون البعض . فتحقّق أن لا يمكن التميّز بين البعض والبعض لو كان هناك الزوائد المشار إليها . فتعذّر التميّز كان دليلا دلّنا على انتفائها . فثبت أنّا إنّما علمنا انتفاء هذه الأمور بالأدلّة التي ذكرناها .
وإذا دلّنا الدليل على انتفاء هذه الأمور ، لم يلزمنا تجويز ثبوتها ، لأنّا إنّما نجوّز ثبوت ما لم يدلّ دليل على ثبوته بشرط أن لا يدلّ دليل على انتفائه ، كما أشرنا إليه من قبل .
قلنا : ودليلنا على انتفاء هذه الأمور إنّما هو عدم الطريق إلى إثباتها . فمن جوّز ثبوت ما لا يكون إليه طريق يلزمه تجويز ثبوت هذه الأمور على ما ذكرناه .
وبيانه : أنّا إنّما علمنا أن لا مانع زائدا على ما عرفناه موانع عن الإدراك من حيث علمنا وجوب كوننا مدركين عند كوننا أحياء صحيحي الحواسّ وارتفاع ما علمناه من الموانع ووجود المدارك . ولو كان هناك مانع زائد ، لكان يجب أن يجوّز عند اجتماع هذه الأمور وجود مدرك لا ندركه لثبوت ذلك المانع الزائد ، فكأن يكون تجويزنا لوجود مدرك مع اجتماع ما ذكرناه من الأمور طريقا لنا إلى إثبات مانع زائد . فلمّا لم يثبت هذا التجويز لم يثبت ما هو دليل ثبوت ذلك المانع فلهذا علمنا انتفاءه .
وكذلك القول في أن تصرّفنا ليس فعلا لغيرنا ، لأنّا إنّما علمنا أنّه ليس فعلا لغيرنا من حيث إنّه لو كان فعلا لغيرنا لما كان يجب وقوعه بحسب قصودنا ودواعينا ولا انتفاؤه بحسب صوارفنا وكراهتنا ، وكأن يكون نفي وجوب وقوعه
المنقذ من التقليد — صفحة 80
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٨٠