وجب أن يكون لم يزل على هذه الصفات ، لحصول موجبها لم يزل ، وفيه تسليم ما شرعنا في بيانه . وإن كان ذلك الموجب محدثا وجب أن يكون من فعله تعالى ، لما سبق ، ويلزم منه ما ذكرناه من قبل ، وهو أن لا يحصل منه هذه الموجبات إلّا بعد أن يكون على هذه الصفات ولا يكون على هذه الصفات إلّا بعد أن يفعل الموجب لها . وفي ذلك إيقاف كلّ واحد منهما على صاحبه ، وذلك باطل .
وأمّا الدليل على أنّ هذه الصفات تثبت لا يزال ولا تنتفي بوجه من الوجوه : هو أنّ هذه الصفات نفسيّة ومعنى كونها نفسيّة أنّ ذاته تعالى ، هي التي تقتضيها ولا يتوقف على شيء آخر ، حتّى لو فرضنا أن ليس في الوجود إلّا ذاته لكان اللّه تعالى على هذه الصفات وإذا كان كذلك لم يجز خروجه عنها ، لما أشرنا إليه من استحالة عدم ذاته التي هي المقتضية لهذه الصفات وأنّها ليست مشروطة بما لا يكون إلّا فيما لا يزال .
والذي يدلّ على أنّ هذه الصفات نفسيّة وجهان اثنان :
أحدهما : ما قد علما أنّه يجب أن يكون بين صفات النفس وصفات المعنى أو المتعلّق بالفاعل فصل وفرق ، وإلّا التبست صفة النفس بغيرها من الصفات فالفصل بين صفة النفس وبين غيرها ، إمّا أن يكون بمجرّد الصّفة أو بكيفيّة الصفة ، ومجرّد الصفة لا يصلح أن يكون فاصلا ، لأنّ كلّ واحد من صفة النفس وصفة المعنى والفاعل صفة ، فيجب أن يقع الفصل بكيفيّة الصفة ، والكيفيّة تنقسم إلى الجواز وإلى الوجوب ، وقد علمنا أن الجواز طريق إثبات صفات المعاني والمتعلّقة بالفاعل ، فيجب أن يكون الوجوب طريق إثبات صفات النفس ، وإلّا أدّى إلى التباس صفة النفس بغيرها من انقسام الصفات ، وقد ثبت أنّ هذه الصفات واجبة له تعالى ، فيجب أن تكون نفسيّة .
والوجه الآخر ، في الدلالة على أنّ هذه الصفات ليست موقوفة على ذوات
المنقذ من التقليد — صفحة 74
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٧٤