فإن قيل : إذا وصفتموه بأنّه مدرك للمدركات عند وجودها ، وأن كونه مدركا وصف زائد على كونه عالما يتجدّد عند وجود المدرك يلزمكم أن يكون تعالى قد تغير والتغيّر عليه محال .
قلنا : ما تعنون بالتغيّر ؟
إن قيل : نعني به أنّه حصل على صفة بعد أن لم يكن عليها .
قلنا : فهذا نفس المذهب ، فلا يكون إلزاما ، وكأنّكم قلتم : لو حصل مدركا بعد أن لم يكن مدركا ، قد حصل على صفه لم يكن حاصلا عليها . وهذا لا وجه له في الإلزام .
[ فإن قيل : يلزم أن تصفوه من حيث العبارة بأنّه تغيّر .
قلنا : التغير الحقيقي مستحيل شاهدا وغائبا ] « 1 » لأنّ معناه أن يصير الشيء غير ما كان ، وهذا محال ، ولكن بالعرف إنّما يستعمل فيما يدخل تحت الإدراك بأن يدرك الشيء على وصف ثمّ يزول ذلك الوصف فيدرك على خلاف ذلك الوصف ، كالإنسان يلحقه خجل فتحمرّ وجنتاه فيرى أحمر الوجه بعد أن لم ير كذلك ، وكالذي يلحقه وجل فيصفرّ وجهه فيرى على لون ما كان يرى على ذلك اللون ، وكالطعام الذي يتبدّل لونه أو رائحته فيقال إنّه تغيّر . وإذا كان كذلك فلا يجري على الأوصاف التي لا تدخل تحت الإدراك .
يبين ما ذكرناه : أنّ أحدنا قد لا يكون مدركا لشخص لغيبته ولا صوت لعدمه ، ثمّ يحضر الشخص فيدركه ويوجد الصوت فيسمعه . ولا يقال : إنّه تغيّر لما لم يدخل كونه مدركا تحت الإدراك ، فثبت بهذه الجملة أنّه لا يلزمنا أنّ نصفه تعالى أنّه متغيّر لحصوله مدركا بعد أن لم يكن مدركا لأنّ الإدراك لا يتعلّق به على وجه من الوجوه .
هامش
( 1 ) ليس في ( م ) .