والبرودة وجنس الألم فلم يرد به سمع ، فالواجب أن يتوقف فيه . وقد قطع الشيوخ على كونه تعالى مدركا لجميع هذه المدركات .
ثم سألوا أنفسهم فقالوا : يلزمكم أن تصفوه تعالى بأنّه ذائق لإدراكه الطعوم ، شامّ لإدراكه الروائح ، لامس لإدراكه الحرارة والبرودة .
وأجابوا عنه بأن قالوا : الشمّ والذوق واللمس ليست إدراكات ، وإنّما هي طرق إلى هذه الإدراكات . فالذوق هو عبارة عن مماسّة تفعل بين الحاسّة وبين محلّ الطعم أو الذي يظنّ أنّ فيه طعما ، طلبا لإدراك الطعم . والشمّ هو مجاورة تفعل بين محلّ الرائحة أو الذي يظنّ أنّ فيه رائحة وبين الخيشوم ، طلبا لإدراك الرائحة . واللمس عبارة عن مماسّة تفعل بين محلّ الحياة وبين محلّ آخر ، طلبا لإدراكه أو إدراك ما فيه من الحرارة والبرودة . فهذه طرق الإدراكات وليست نفس الإدراك وبيان ذلك أنّه تثبت هذه الأمور وينفي الإدراك ، فيقال : ذقته فلم أجد له طعما ، وشممته فلم أجد له رائحة ولمسته فلم أجد له حرارة أو برودة . وما هذا الّا كما يقال : نظرت إلى الهلال فلم أره ، أصغيت إليه فما سمعت كلامه .
قالوا : ونحن ما أثبتنا في حقّه - تبارك وتعالى - إلّا حقائق هذه الإدراكات ، دون طرقها ، فلا يلزمنا وصفه بشيء من ذلك .
ويمكن الاستدلال على كونه تعالى مدركا لسائر المدركات بالإجماع بعد أن ثبت كونه رائيا للمرئيّات ، سامعا للمسموعات ، بالدليل الذي ذكرنا بأن يقال : إذا ثبت أنّه تعالى يرى المرئيّات ويسمع المسموعات بمعنى أنّه حاصل على وصف زائد على كونه عالما بإدراكه لهما ، ثبت أنّه مدرك لجميع المدركات ، لأنّ أحدا من الامّة لم يفرّق بين بعض المدركات وبين بعض في إدراكه تعالى : فمن أثبته تعالى مدركا لبعضها أثبته مدركا لجميعها ، ومن نفى إدراكه لبعضها نفى إدراكه لجميعها من دون فرق ، ولا يعتبر بخلاف من خالف في ذلك ، لشذوذه من الإجماع ، ولتقدّم الإجماع على قوله وتأخّره عنه .
المنقذ من التقليد — صفحة 60
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٦٠