لإرادة أخرى ، يلزمهم التسلسل وإن قالوا : إنّما ميّزها لداع زائد ، قلنا : فقولوا مثله في تمييزه بعض المرادات عن البعض .
ولا يمكن أن يقال : هذه الإرادات لا تنفصل له قبل وجودها ، كما يقال في الإرادات المتماثلة . وذلك لأنّ هذه الإرادات مختلفة لتغاير متعلّقاتها عندهم فتنفصل له .
قالوا : أحدنا قد يدعوه الداعي إلى فعل في أوقات كثيرة ، ثمّ لا يفعل في جميع تلك الأوقات وإنّما يفعل في بعضها ، كمن يعلم حسن التصدّق بما يملكه من الدرهم في أيّام ، ثمّ يتصدّق به في بعض تلك الأيّام ، وأنّه يجد في الوقت الذي يفعل ذلك الفعل من نفسه مزيّة متعلّقة بالفعل ، وهي الإرادة التي نثبتها .
والاعتراض عليه ما سبق بأن يقال : الداعي المستمرّ الذي دعاه إلى الفعل في هذه الأوقات دعا أيضا إلى إرادة الفعل في هذه الأوقات ، لما يذهبون إليه من أنّ الداعي إلى الفعل المراد هو الداعي إلى إرادته . فلما ذا فعل الإرادة في بعض هذه الأوقات دون بعض ؟ إن قالوا : لإرادة أخرى ، اتّجه عليه التّسلسل وإن قالوا : لمزيد داع أو لخلوص الداعي في ذلك الوقت الذي لم يكن من قبل .
قلنا : فارضوا بمثله في الفعل المراد .
قالوا : أيضا صيغة الخبر يجوز أن تقع غير خبر ، وكذا صيغة الأمر يجوز أن تقع غير أمر بأن يكون إباحة أو تهديدا أو تحدّيا .
فإذا وقع صيغة الخبر خبرا وصيغة الأمر أمرا ، وجب أن يكون ذلك الأمر هو كون فاعله مريدا . أمّا في الخبر فلكونه خبرا ، وأمّا في الأمر فلحدوث المأمور به على ما هو مذكور في الكتب .
والكلام على هذا أن يقال : الدّاعي هاهنا يكفي أيضا بأن يقال : إنّما صار صيغة الخبر خبرا ، لأنّ المخبر علم أو اعتقد أنّه أو مخاطبه ينتفع بأن يعلمه حال المخبر عنه أو يجعله ظانا له . فإذا دعاه هذا العلم أو الاعتقاد لذلك إلى إيجاد
المنقذ من التقليد — صفحة 64
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٦٤