تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
قالوا : ولا يجوز أن يكون المقتضي لذلك ارتفاع الموانع ، لأنّ المرجع بذلك إلى النفي ، والنفي لا اختصاص له ببعض الذوات دون بعض ، وكونه مدركا يختصّ ببعض الذوات دون بعض . قالوا : ولا يجوز أن يكون المقتضي لذلك صحّة الحاسّة ، لأنّه إن عنى به ، انتفاء الآفات وارتفاعها ، كان ذلك نفيا أيضا ولا يختصّ ، وإن كان المرجع به إلى حصول معان مخصوصة في الحاسّة ، فتلك المعاني وأحكامها ترجع إلى المحال ، فلا يجوز أن توجب صفة راجعة إلى الجملة . قالوا : ولا يجوز أن يكون المقتضي له شيئا سوى ما ذكرناه ، لأنّه لو كان كذلك للزم جواز اجتماع هذه الأمور من كون الواحد منّا حيّا في صحّة حواسّه ، وارتفاع الموانع ووجود المدرك ، ولا يدرك المدرك . وتجويز ذلك سفسطة . وقد سألوا أنفسهم وقالوا : كما أنّ كون المدرك مدركا ، لا يثبت إلّا مع وجود المدرك ، كذلك لا يثبت إلّا مع حواسّ صحيحة في الشاهد ، والحواسّ مفقودة في الغائب ، لأنّه تعالى ليس بجسم فيتعالى عن جواز الحواسّ عليه ، فلا يجب أن يكون مدركا . وأجابوا عن هذا السؤال بأن قالوا : حاجتنا إلى الحواسّ إنّما هي من حيث إنّا أحياء بحياة ، وللحياة تأثير في محلّها بأن تجعله ممّا يصحّ الإدراك به ، فيصير محلّ الحياة آلة في الإدراك ، وغير ممتنع أن لا يستكمل كون الشيء آلة الّا بتركيب خاصّ وبنيّة مخصوصة ، والقديم جلّ جلالة حيّ لا بحياة ، فلا يحتاج في الإدراك إلى الحواس . قالوا : ما هذا إلّا كما علمنا من افتقارنا في الأفعال إلى آلات مخصوصة منفصلة ومتصلة واستغنائه تعالى في مثل تلك الأفعال عن الآلات لمّا كان تبارك وتعالى قادرا لنفسه وكنّا قادرين بالقدرة .
المنقذ من التقليد — صفحة 58 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي