تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ويمكن أن يعترض على هذا بأن يقال : فرق بين الموضعين . وذلك لأنّا علمناه - تبارك وتعالى - فاعلا ، إذ بأفعاله استدللنا على ثبوته وعلمنا أنّه ليس بجسم ، فعلمنا استحالة الآلات عليه ، وعلمنا حاجتنا إلى الآلات ، فدعتنا الضرورة إلى أن نقول : الحاجة إلى الآلات في الأفعال راجعة إلى علّة تخصّنا ، من كوننا قادرين بالقدرة ، ولم يثبت مثل ذلك في هذه المسألة ، لأنّا ما علمناه - تبارك وتعالى - بعد مدركا للمدركات ، بل نحن في بيان ذلك وسبره بلى ، لو ثبت لنا أنّه مدرك بدليل غير هذا ، لكنّا نحكم بأنّ الحاجة إلى الحاسّة في الإدراك راجعة إلى ما ذكروه ، فأمّا ولم يثبت لنا ذلك بل نحن في بيانه ، فلا وجه يدلّ على ما قالوه . فالأولى أن نرجع ، في بيان كونه تعالى مدركا رائيا للمرئيّات ، إلى السمع ، في مثل قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
« 1 » إذ قد ثبت بما بيّنه علماؤنا - رضي اللّه عنهم - أنّ المراد نفي تعلّق الرؤية به تعالى ، فيجب أن يكون المراد بقوله :
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
، إثبات الرّؤية له تعالى ليطابق النفي الإثبات وقد وصف اللّه تعالى نفسه بالسمع فقال :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 2 » وقال :
« وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً »
« 3 » وقال :
« إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى »
« 4 » . وقد ورد في الأدعية المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام : يا من يرى ولا يرى ، يا أسمع السامعين ، ويا أبصر الناظرين ، يا سميع الدّعاء ، يا سامع الأصوات . فيجب أن نثبته رائيا للمرئيّات سامعا للمسموعات . فعند ذلك يتحقّق ما قاله الشيوخ من أنّ حاجتنا في رؤية المرئيّات وسماع الأصوات إلى الحاسّتين إنّما هي لما ذكروه من العلّة . فأمّا إدراكه تعالى لغير هذين النوعين من الطعوم والروائح والحرارة
هامش
( 1 ) الأنعام : 103 . ( 2 ) الشورى : 11 . ( 3 ) النساء : 134 . ( 4 ) طه : 46 .
المنقذ من التقليد — صفحة 59 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي