مدركا زائدا على هذا التّأثير » - وبيّن ذلك بأن قال - : « أحدنا عندما يدرك شيئا ويرى مرئيّا يجد من نفسه أمرا زائدا على علمه راجعا منه إلى المدرك متعدّيا إليه ، كما يجد ذلك في كونه عالما ، فإنّه يعلم أنّ كونه عالما أمر راجع منه إلى المعلوم متعدّي إليه . وإذا كان كذلك لا يجوز أن يكون نفس التأثير . وذلك لأنّ التأثير يرجع من المدرك إلى المدرك ، فهو بالعكس ممّا يجده من نفسه .
وهذا قريب إذا ثبت أنّ كونه مدركا زائدا على هذا التأثير لم يستحل ثبوته في حقّه تعالى » « 1 » .
واستدلّ المشايخ على ثبوت هذه الصفة في حقّه تعالى بأنّ قالوا : كونه حيّا هو الذي يقتضي هذه الصفة ، والشرط العامّ المراعى في جميع المدركين هو وجود المدرك ، وقد ثبت أنّه تعالى حي والمدرك موجود ، فيجب أن يكون مدركا .
ودلّوا على أنّ كونه حيّا هو المقتضي لكونه مدركا بأن قالوا : أحدنا إذا كان حيّا وصحّت حواسّه وارتفعت الموانع المعقولة من الإدراك ووجد المدرك ، تحتّم ووجب كونه مدركا ، فلا يخلوا المقتضي له من أن يكون وجود المدرك أو ارتفاع الموانع أو صحّة الحاسّة أو شيئا وراء ذلك ، أيّ شيء كان .
قالوا : ولا يجوز أن يكون المقتضي لكونه مدركا وجود المدرك ، لأنّ وجود المدرك أمر منفصل عن المدرك ، فلا يجوز أن تقتضي له صفة ، لفقد الاختصاص به ، ولأنّه لو اقتضى وجود المدرك كونه مدركا ، للزم استحالة أن يدرك الواحد منّا الضدّين في حالة واحدة ، وقد علمنا جواز ذلك وصحته ، ألا ترى أنّا ندرك السواد في محلّ والبياض في محلّ آخر على تضادّهما .
قالوا : وإنّما كان يلزم استحالة أن نراهما في حالة واحدة لو كان وجود المدرك مقتضيا لكونه مدركا ، لأنّ تضادّ الموجب يقتضي تضادّ الموجب .
هامش
( 1 ) محمود الملاحميّ الخوارزمي ، الفائق في أصول الدين ، مخطوط ، اليمن ، المكتبة . . .