نفسه هذا الأمر وقد يجد من نفسه هذا الأمر مع انتفاء هذه الصفات ، فتحقق أنّه زائد على هذه الصّفات وبقي الاشتباه بينه وبين كونه عالما وكونه حيا .
والدليل على أنّه زائد على كونه عالما أنّه يفصل بين ما إذا رأى شيئا فعلمه وبين أن يغمض عينيه مع ثبوت علمه بذلك الشيء ، وكذلك يفصل بين ما إذا أدرك المدركات الأخر وبين ما إذا لم يدركها مع علمه بها في الحالين .
وكذلك قد يكون مدركا في حال نومه للألم بقرص البقّ والبرغوث وإن لم يعلمه ، وكذا قد يدرك الصوت الذي بحضرته وإن لم يعلمه ، ولهذا ربما يصير ذلك سببا لانتباهه ، فثبت أنّه زائد على كونه عالما .
وبيان أنّه زائد على كونه حيّا هو أنّه قد يتجدد إدراكه لشيء مع استمرار كونه حيّا ، كمن يحضره شخص فأدركه ، فإنّ إدراكه لذلك الشخص متجدّد ، ولم يتجدّد كونه حيّا في تلك الحالة ، فثبت أنّه زائد على كونه حيّا .
وأمّا البغداديّون ، فإنّهم يذهبون إلى أنّ الإدراك في الشاهد أيضا إنّما هو العلم بالمدرك إذا كان حاصلا من طريق الحاسّة ، ويعنون بحصوله من طريق الحاسّة أن يؤثّر المدرك في الحاسّة كالصدمة التي يجدها السامع للصوت الشديد ، وكما يجده من يدرك حلاوة صادقة أو حموضة أو حراقة في حاسّته ، وكما يجده من لمس شيئا حارّا أو باردا .
قالوا : إذا حصل العلم بالمدرك عند تأثيره في حواسّنا كان ذلك العلم إدراكا . وعلى هذا بنوا قولهم بنفي كونه تعالى مدركا في الحقيقة ، وأنّ معنى كونه مدركا للمدركات سميعا بصيرا ، كونه عالما ، ولم يجعلوه مدركا في التحقيق ، لاستحالة حصول علمه من هذا الطريق .
وربّما قالوا ليس الإدراك إلّا هذا التأثير الذي هو للمدرك في حاسّة المدرك .
وذكر صاحب الفائق : « إنّا لا ننكر هذا التأثير ، ولكن كون المدرك
المنقذ من التقليد — صفحة 56
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٥٦