وأمّا قولهم : لولا علمه تبارك وتعالى بهذا النوع من التمييز والتفصيل لما صحّ منه إيجاد أفعاله على ما يريده .
فالجواب عنه أن نقول : إنّا قد بيّنا أنّ التمييز المحتاج إليه في إيقاع الفعل بحسب قصد الفاعل وداعيه ما هو ، وأنّ ذلك التمييز ليس هو الذي أشاروا إليه ، فذلك التمييز حاصل له تبارك وتعالى على أتمّ ما يمكن ، فلمكانه يصحّ منه إيقاع أفعاله على ما يريده ويكفيه كما كفى ذلك التمييز في أحدنا في وقوع أفعالنا بحسب قصدنا وداعينا .
ومن وجه آخر : لا يصحّ التمسّك في هذه المسألة بكونه تعالى عالما وهو ما قد ثبت بالاتفاق بين المحققين أنّ كلّ ذات « 1 » لا تعلم ضرورة ، فإنّما يمكن إثباتها إمّا بفعل أو حكم يصدر عنها ، ومن البيّن أن لا فعل للمعدوم ، فلا طريق إلى إثباته إلّا من طريق الحكم ، فكونه تعالى عالما ليس هو حكم المعدوم ، حتّى يستدلّ به عليه .
وتعلّقوا أيضا بأنّ قالوا : القدرة متعلّقة بالمعدوم والتّعلّق « 2 » لا يثبت إلّا بين شيئين ، فينبغي أن يكون المعدوم شيئا معيّنا ، حتّى تتعلّق القدرة به .
والجواب عن ذلك أن نقول : ما تعنون بتعلّق القدرة ؟ أتريدون به أمرا زائدا على القدرة يثبت بينها وبين شيء معيّن ؟ إنّ أردتم هذا ، فبيّنوا أنّ المعدوم شيء معيّن ، حتّى يمكنكم أن تدّعوا أنّ القدرة هذا التّعلّق ، وإن أردتم به ما نفهمه ونعقله ، فإنّا لا نعقل من تعلّق القدرة والقادر إلّا أنّه يصحّ منه إنشاء ذات أو صفة لذات .
ثم نقول لهم : يلزمكم على قولكم هذا أن يكون الوجود ثابتا في العدم ، لأنّ القدرة تتعلّق بالوجود وهي فدرة على الوجود [ عندكم فكما جاز أن يكون القدرة
هامش
( 1 ) م : ذلك .
( 2 ) م : التعليق .