اختياره له ، لأنّا لا نعلم رضاه لذلك واختياره له بقلبه . والحال فيه تعالى بخلاف ذلك . لأنّه عزّ وجلّ لا يؤلم أحدا غير مستحقّ للألم إلّا وقد علم أنّه لو أطلعه على مقدار العوض الذي ضمنه له في مقابلة إيلامه وخيّره بين أن يؤلمه ويعطيه ذلك العوض وبين أن لا يؤلمه ، فيفوته تلك المنافع لاختار الألم ليحصل له العوض ، وهذا آكد من أن يتلفّظ المؤلم باختياره .
وبعد فانّما يعتبر باختيار الأجير وإظهاره الرضا بما يعيّنه من الأجرة من حيث انّ الأمر فيما يعطيه من الأجرة مشتبه ، فمن العقلاء من يختار تحمّل تلك المشاقّ لمثل تلك الأجرة ، ومنهم من لا يختاره بل يؤثر الرفاهيّة والدعة . وليس كذلك العوض المستحقّ على اللّه تعالى ، لأنّه يزيد على الألم زيادة عظيمة لا يشتبه الحال فيه ، بل يختار جميع العقلاء تحمّل مثل تلك الآلام لمثل تلك الأعواض ، فلا معنى لاعتبار اختيار المؤلم . ويجري ذلك مجرى من قيل له : « قم من مكانك وخذ مائة ألف دينار » . ولا وصمة عليه في القيام من مكانه ، فانّ العقلاء يتساوون في اختياره ذلك . ومن لم يختره من الناس يستدلّ بذلك على اختلال عقله فلنا أن نلي عليه ونكرهه على القيام ، كما نلي على جميع الصبيان والمجانين ، فنكرههم على مصالحهم .
فإن قيل : إنّما يحسن الألم للنفع إذا لم يمكن الوصول إلى النفع أو لا يحسن إلّا بالإيلام « 1 » ألا ترى أنّه لا يحسن منّا السفر وإتعاب النفس فيه طلبا للأرباح التي يمكننا الظفر بها في بلادنا . وإنّما يحسن ذلك منا إذا أعوزتنا تلك الأرباح في أوطاننا ، واللّه تعالى قادر على نفعنا بمقدار العوض من غير ألم ، فلم يحسن الألم منه لنفع العوض .
قلنا : أمّا على مذهب أبي عليّ ، فانّه لا يرد هذا السؤال . وذلك لأنّ النفع
هامش
( 1 ) م : بالألم .