لا يحصل فيه غرض سوى نفعه بالأجرة ، لمثل ما ذكره السائل . وهو أنّ ذلك النفع المستحقّ لا يمكن إيصاله إليه من دون ذلك الاستيجار .
فإن قيل : يمكن إيصاله من دون ذلك الاستيجار بأن يستأجر فيما يحصل فيه غرض صحيح ، نحو انتفاع المستأجر أو غيره بعمله .
قلنا : هذا إشارة إلى أنّ غير ذلك قائم مقامه ، وقد بيّنا فيما مضى بأنّ قيام بعض الأفعال مقام بعض لا يوجب قبح الفعل .
ثمّ نقول : ولو فرضنا أن لا ينتفع الذي استأجره بعلمه بوجه من الوجوه بأن لا يكون له حاجة إلى عمله أصلا والبتة ، وفرضنا أيضا أن لا يكون هناك غيرهما حتّى نقدّر انتفاعه بعلمه لوجب أن يحسن منه ذلك الاستيجار ولا يقبح ، لارتفاع الخيال الذي ذكره من أنّ استيجارا آخر يقوم مقام ذلك الاستيجار بل كان يلزم أن يكون مثل ذلك الاستيجار من أحدنا أحسن لظهور مزيّة ما يستحقّ علينا على ما يتفضّل به بالاتفاق .
فأمّا أبو عليّ فانّه يستدلّ به بأن يقول : الألم إذا فعل للعوض فقد فعل لغرض لا سبيل إليه إلّا بالألم . وذلك لأنّه توصّل إلى نفع يستحقّ . فلو لم يفعل الألم ، لم يكن النفع مستحقّا ، والنفع المستحقّ له مزية في النفس ليست للتفضّل به . ألا ترى أنّ لمائة دينار مستحقة في النفس لمائة متفضّل بها .
وأبو هاشم يجيب عن ذلك بأنّ النفع المستحقّ انّما يكون أوقع من المتفضّل به إذا كان من جهة من يؤنف من تفضّله . فأمّا من لا يؤنف من تفضّله فلا مزيّة لما يستحقّ منه على ما يتفضّل به .
وبيان ذلك أنّه لا مزيّة لما يستحقّه بعض الأجراء على السلطان على ما يتفضّل به عليه ، فاللّه تعالى بهذا الحكم أولى .
ثمّ وإن كان المستحقّ من العظماء من النفع مزيّة فهي يسيرة لا يتساوى أحوال العقلاء وكلّهم في احتيار الآلام العظيمة لأجلها .
المنقذ من التقليد — صفحة 320
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٢٠