فأمّا الإيلام لمجرّد حصول المصلحة فيه ، فإن كانت المصلحة الحاصلة فيه لغير المؤلم فانّه لا يحسن بالاتفاق من حيث أنّه لا يحسن إيلام زيد لينتفع عمرو ولا ينتفع زيد أصلا . وإن كانت المصلحة الحاصلة فيه للمؤلم نفسه ، كأن يعلم تعالى أنّ زيدا يعصي ويستحقّ العقاب ، فإن أمرضه اختار الطاعة فلم يستحقّ العقاب واستحق الثواب . فعند الشيخين أبي عليّ وأبي هاشم أنّه لا يحسن إيلامه لمجرّد ذلك ، بل يجب أن يعوّضه على الألم ، لأنّ الألم الذي لا يكون مستحقّا لا بدّ من أن يكون في مقابلته نفع أو دفع ضرر ، والثواب المستحقّ على الطاعة التي الألم لطف فيها إنّما هو في مقابلة الطاعة . ألا ترى أنّه يستحقّ عليها ولو أطاع من دون ألم فيحصل الألم متجرّدا من نفع أو دفع ضرر واستحقاق ذلك قبيح .
واستدلّ من أجاز إيلام المكلّف لمصلحة من دون عوض : بأنّ الألم يحسن لنفع مقابله ويحسن لنفع يقابل لما يؤدّي إليه الألم . ألا ترى أنّه كما يحسن من الإنسان أن يتحمّل المشقّة في البيع والشرى لربح يقابله ، فكذلك يحسن أن يتعب نفسه بالسفر ، لأنّه يؤدّي إلى بيع متاع في بلد يربح عليه وإن لم يكن الربح مقابلا لتعبه في السفر ، لأنّه مقابل لبيع المتاع وإخراجه من ملكه .
فإذا قيل له : الثواب يكون مستحقّا بطريق التعظيم والتبجيل ، وذلك لا يستحقّ الّا بما يفعله المكلّف من الطاعة ، فكيف يجعل في مقابلة الألم الذي فعل به ، وليس هو من فعله ، واستحقاق التعظيم والمدح بطريق المجازاة إنّما يحصل بما يكون من جهة المستحق لذلك إقداما وإحجاما . فأمّا ما يستحقّه المؤلم بما فعل به من الألم ، فانّه يجري مجرى أرش الجناية وقيمة المتلف في خلوّه من التعظيم والتبجيل . وعلى هذا فانّه لو أتى المكلّف بالطاعة من دون ذلك الألم الذي فرضناه لطفا له يستحقّ ذلك الثواب ، فانكشف أنّ الثواب مستحقّ في مقابلة الملطوف فيه ، فيبقى الألم خاليا مما يقابله من نفع أو دفع ضرر ، فيكون ظلما .
المنقذ من التقليد — صفحة 321
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٢١