تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
ولولا صحّة ما ذكرناه للزم قبح كلّ فعلين يمكن التوصّل بكلّ واحد منهما إلى الغرض الذي يتوصّل بالآخر إليه ، ألمين كانا أو لذّتين أو لا ألمين ولا لذتين ، بأن يقال : يمكن التوصّل إلى ذلك الغرض من دون هذا ، لقيام ذلك مقامه ، وكذا يمكن التوصّل إليه من دون ذلك ، لقيام هذا مقامه . ولأنّ هذا معلوم مقرّر عند العقلاء . ألا ترى أنّ أحدنا إذا كان جائعا وهو ممّن يشبع برغيف واحد ، وبين يديه رغيفان متساويان في الطعم والمقدار والصفا وجودة الخبز ، فانّه إذا تناول أحدهما لا يذمّه عاقل ولا يعدّه عابثا ، بسبب أنّ الرغيف الذي لم يتناوله يقوم مقام الذي تناوله في غرضه . فإن قيل : ما حكمنا بقبح الألم في الصورة التي فرضناها . لمجرّد قيام غيره ، ممّا هو لذّة أوليس بألم ولا لذّة ، مقامه في اللطف والاستصلاح حتّى تجيبوا ما ذكرتموه ، وإنّما حكمنا بقبحه من حيث أنّ فاعله يكون متوصّلا بالألم إلى غرض يمكنه التوصّل إليه من دون الألم ، وهذا الوجه لا يثبت في الفعلين إذا كانا جميعا لذّتين أو ألمين أولا ألمين ولا لذّتين ، إذا لوجه المقبّح إنّما هو قيام غير الألم مقامه في الغرض المطلوب . قال - قدّس اللّه روحه - في الجواب : « الألم بما تضمّنه من العوض الموفي صار كأنّه ليس بألم ، بل صار كأنّه لذّة ومنفعة في الخروج من كونه ظلما ، فيصير الألم ما يقوم مقامه ، والحال ما وصفناه ، كأنّهما لذّتان أو فعلان ليسا بألمين ولا لذّتين ، يبيّن ما ذكرناه أنّ الألم الموصوف لو قبح لم يخل وجه قبحه من أن يكون كونه ظلما أو كونه عبثا ، إذ لا يعقل فيه وجه قبح آخر ، ولا يصحّ أن يدّعى كونه ظلما وأنّه إنّما قبح لذلك ، لأنّه بما تضمّنه من العوض الموفي خرج عن كونه ظلما ؛ ولا أن يدّعى أنّه عبث وأنّه يقبح لذلك ، من حيث أنّ فيه لطف المكلّف واستصلاحه ، وذلك غرض صحيح وهو غرض المثل . وبيّنا أنّ قيام غيره مقامه في ذلك الغرض لا يوجب أن يكون عبثا ولا قبيحا . وإذا لم يكن
المنقذ من التقليد — صفحة 326 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي