أمكنه أن يقول : الأمر وإن كان على ما ذكر في السؤال ، فليس الألم ، الذي هو لطف له في الطاعة التي استحقّ بها ما استحقّ من الثواب هو الذي أراه إلى ذلك ، فلو لاه لما اختار به ما استحقّ ذلك الثواب ، فصار الثواب كأنّه حصل بذلك الألم . كما أنّ الربح الحاصل في بيع المتاع في بلد ، كأنّه حاصل في تحمله التعب بالسفر الذي أدّاه إلى ذلك ولم يعدّه أحد من العقلاء تحمّله التعب بالسفر خاليا من نفع وفائدة بسبب أنّ النفع بالربح حصل ببيع المتاع .
ويمكنه أيضا أن يقول : إذا كان المكلّف إنّما يطيع عند الألم ولو لاه لم يطع ، وكأنّه الذي أخرج نفسه إلى الألم ، وكأنّه الذي آلم نفسه ، ولا شكّ في أنّه إذا كان المؤلم هو الذي أخرج نفسه إلى الإيلام ، فإنه لا يستحقّ عوضا على الألم .
ألا ترى أنّ من علم أنّ ولده لا يتعلّم في بلده ولا يشتغل بطلب المعيشة فيه ، وأنّه إذا سافر إلى بلد آخر ووجد مشقّة السفر اشتغل بطلب العلم والمعيشة وانتفع بالوجهين ، فانّه إذا حمله على السفر وألزمه ذلك لا يوجب عاقل عليه أن يعوّضه على سفره . كما لا يوجب عليه أحد أن يعوّضه على سفره إذا لم يكن في بلده من يتعلّم منه ويتخرّج معه في طلب المعيشة .
فهذه الجملة غاية ما يمكن أن ينصر به هذا المذهب فليحسن تأمّلها ، ويعتقد ما ينكشف بالنظر الصحيح . وقد انكشف وصحّ بجميع ما بيّناه أنّ الآلام التي ليست مستحقة قد تحسن للنفع وغيره من الوجوه التي أشرنا إليها ، وبطل بذلك مذهب البكريّة والتناسخيّة .
فإنّ قيل : الإيلام للنفع إنّما يحسن إذا اختار المؤلم ذلك ، فأمّا إذا لم يختره فانّه لا يحسن واللّه تعالى يؤلم المكلّفين وغيرهم من الأطفال والبهائم وسائر الحيوانات من غير أن يختاروا ذلك ، فيجب أن لا يحسن إيلامهم ، كما لا يحسن أن يستعمل أحدنا أجيرا ويوفّيه اجرته من غير اختياره .
قال : إنّما لا يحسن منّا استعمال الأجير إلّا بأن يختار ذلك ويظهر بلسانه
المنقذ من التقليد — صفحة 322
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٢٢