وأمره تعالى ، فمن ينكر ذلك كان جاحدا لما يعلمه باضطرار .
إذا ثبت أنّ من ذكرناهم يتألّمون بالآلام والأمراض التي لا تكون إلّا من جهته تعالى فالدلالة على أنّها حسنة هي أنّها من فعله تعالى ، مع ما قد ثبت أنّه عزّ وجلّ لا يقبح بفعل القبيح وأنّ فعله لا يعرى من القبح والحسن ، لاستحالة التوهّم والسهو والغفلة عليه .
والدليل على أنّ هذه الأمراض والآلام من فعله عزّ وجلّ ، هو أنّه لو كانت من فعل غيره لكان ذلك الغير إمّا قديما أو محدثا . وقد دللنا على أن لا قديم في الوجود سواه تعالى ورددنا على الثنويّة قولهم بقدم الظلمة .
ونزيد هاهنا ونقول : الظلمة إنّما هي فقد النور عمّا يقبل النور وليست هي ذاتا حتّى ينسب إليها فعل . وعلى هذا إذا فقدنا النور في الهواء لتصوّر فضاء مظلما . ولانّهم إنّما نسبوا الأمراض والآلام إلى الظلمة ، لاعتقادهم أنّ الآلام كلّها قبيحة ، وقد بيّنا نحن أنّه قد يكون الألم حسنا . فبطل ما توصّلوا به إلى إسناد الإمراض إلى غيره تبارك وتعالى . ولا يجوز أن يضاف الإمراض إلى فاعل محدث ، لأنّ الفاعلين المحدثين على تفاوتهم وتفاضلهم في الاقتدار لا يصحّ منهم امراض أحد ابتداء .
وبيان أنّ أفعاله تعالى لا تعرى عن الحسن والقبح هو ما أشرنا إليه قبيل هذا من أنّه تعالى يستحيل عليه السهو والغلط والغفلة . وفعل الساهي هو الذي يتصوّر أن يخلق عن الحسن والقبح .
فأمّا العالم الذاكر ، فانّه لا يتصوّر في أفعاله الخلوّ عن الحسن والقبح ، لأنّه لا يخلو من أن يكون له غرض صحيح فيما يفعله أو يكون له في ذلك غرض صحيح . إن كان القسم الأوّل كان فعله عبثا قبيحا ، وإن كان الثاني ، وهو أن يكون له في فعله غرض صحيح ، فأمّا أن ينتفي عنه وجوه القبح أو لا تنتفي إن انتفى عنه جميع وجوه القبح كان حسنا بلا خلاف ، وإن لم ينتف كان قبيحا .
المنقذ من التقليد — صفحة 311
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣١١