تعالى ، لا للعوض ، على ما قاله من خالف فيه ، لأنّ العوض الواجب في ذلك يلزم الطارح ، وهو عوض مساو للألم غير موفي عليه ، لأنّه لو كان موفيا لكان طرح الطارح غير ظلم لأدائه إلى النفع الموفي .
والذي يبطل قول المجبّرة : « إنّ الآلام كلّها حسنة من محدثها » ، ما قد تقدّم من كلامنا في وجوه الحسن والقبح ، فانّ الظلم يقبح لكونه ظلما ، فيقبح من كلّ فاعل .
إذا تقرّرت هذه الجملة فاعلم ، أنّ الناس قد اختلفوا في إيلام الأطفال والبهائم ، فذهبت البكريّة إلى أنّهم لا يألمون بالأمراض والأسقام . وقال غيرهم :
إنّهم يألمون . فاختلفوا ، فقالت الثنويّة : آلامهم قبيحة وفاعلها الظلمة . وقال غير الثنويّة : آلامهم حسنة ، لوجه يقتضي حسنها . ثمّ اختلفوا في ذلك الوجه ، فقالت المجبّرة : إنّها حسنة ، لأنّ فاعلها ليس تحت رسم ، لا أمر ولا نهي . وقال غيرهم : إنّها حسنت ، لوجه يرجع إليها . ثمّ اختلفوا ، فقالت أصحاب التناسخ :
إنّها حسنة ، لأنها مستحقّة على ذنوب اقترفتها النفوس في هياكل سوى هذه الهياكل ، ثمّ نقلت إلى هذه الهياكل وعوقبت فيها . وقال شيوخ أهل العدل : انّ هذه الأمراض والآلام ، إنّما حسنت للنفع الموفي عليها على تفصيل اختلفوا فيه على ما نبيّنه .
وينبغي أن نبيّن أنها حسنة ، ثمّ نبيّن أنها حسنت للنفع الموفي عليها على سبيل الجملة ، ثمّ نتكلّم في تفصيل ذلك .
والكلام في حسنها ووجه حسنها جملة أو تفصيلا ، يتفرّع على أنّ الأطفال والمجانين والبهائم يتألمون بالأمراض وغيرها . والعلم بذلك ضروريّ ، لأنّا نعلم باضطرار أنّا نتألّم بالأمراض والأوجاع في حال الطفوليّة قبل البلوغ ، وكذا نعلم وكلّ عاقل ضرورة تألّم غيرنا من الأطفال والمجانين والبهائم بالأمراض والآلام التي لا تكون إلّا من قبله ، وكذا نعلم تألّم البهائم بالذبح الذي هو بإذنه
المنقذ من التقليد — صفحة 310
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣١٠