وممّا يبطل قولهم وقول البكريّة وأصحاب التناسخ أيضا - حيث قالوا :
الألم لا يحسن إلّا للاستحقاق - أنّ العقلاء كما يستحسنون ذمّ المسئ فيستحسنون فقصدّ أنفسهم وشرب الأدوية البشعة وكذا فصد من كون عليه من الأولاد والعبيد وسقيهم الأدوية الكريهة إذا رجوا بذلك دفع الأمراض ، وكذا يستحسنون إتعاب أنفسهم وأولادهم في طلب العلوم والآداب والأرواح في الأسفار والتجارات ، رجاء أن يصلوا بذلك إلى منفعة . والرجاء هو ظنّ وصول نفع إلى الظانّ أو اندفاع ضرر عنه . وإذا حسن ذلك مع ظنّ المنفعة ودفع المضرّة ، فلأن يحسن مع العلم بذلك أولى . وكذا يعلمون أنّ الألم الواقع على وجه الموافقة ليس بقبيح ، بل هو حسن . كأن يقصد زيد إلى قتل عمرو فيدفعه عمرو عن نفسه ، فيؤول دفعه إلى الإضرار بزيد ، إمّا بالقتل أو بدون القتل .
ولا يمكن الشيخ أبا عليّ أن يستدلّ بهذا الوجه على البكريّة والتناسخيّة ، لأنّه يذهب إلى أنّ هذا الألم إنّما يحسن للاستحقاق ، قال : إنّ زيدا لما قصد إلى قتل عمرو استحقّ بطلبه نفس عمرو أن يقتله عمرو . فلا يمكنه الاستدلال بهذا الوجه خاصّة على البكريّة والتناسخيّة لأنّهم يقولون بحسن الألم للاستحقاق .
فأمّا أبو هاشم ، فانّه يمكنه الاستدلال به عليهم ، لأنّه يذهب إلى أنّه إنّما يحسن هذا الألم لوقوعه على وجه الدفع لا للاستحقاق ، لأنّه لو كان وجه حسنه الاستحقاق لوجب أن يستحقّه وان أمسك عن قتل عمرو من غير توبة عنه بعد أن قصد قتله ، والمعلوم خلافه من حيث أنّه لو كفّ عن قتله لما استحسن العقلاء إيلامه وقتله وإن لم يتب ، وكذا يحسن الألم ، الذي يفعله اللّه تعالى ، وهو جار مجرى فعل غيره ، نحو أن يطرح الإنسان طفلا أو غيره في النار أو الثلج فيتألّم ويموت ، فانّ ألمه من فعل اللّه تعالى إمّا مبتدأ أو متولّدا أو يمنع منه إن كان متولّدا لا بتصديق صادق من حيث انّه نقض للعادة ولا يحسن نقض العادة في زمان التكليف لا للتصديق ، فانّما حسن ذلك الألم ، لأنّه يجري مجرى فعل غيره
المنقذ من التقليد — صفحة 309
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٠٩