تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الذي أريد به غير ما ذكرناه من الفوائد ، هو تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئيّ التماسا لرؤيته . وبيان ذلك أنّهم يثبتون النظر وينفون الرؤية فيقولون : « نظرت إلى الهلال فلم أره » ، ويجعلون الرؤية غاية النظر في قولهم : « ما زلت أنظر إليه ، حتى رأيته » ، فدلّ على أنّ النظر غير الرؤية . وأيضا فانّهم ينوّعون النظر أنواعا لا تدخل الرؤية ، فيقولون : نظر فلان إلى فلان نظرا شزرا أو غير شزر ، ونظرا مزورا أو غير مزور ، وهذه التنويعات لا تدخل الرؤية . أمّا قولهم : « النظر إذا علق بالوجه وعدّي ب « إلى » لم يفد إلّا الرؤية » ، فباطل ، لأنّه قد يعلّق النظر بالوجه ويعدّى ب « إلى » ولا يفيد الرؤية ، على ما قاله الشاعر :
وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرّحمن تأتي بالفلاح
وقال آخر :
يوم بذي قار رأيت وجوههم * إلى الموت من وقع السّيوف نواظرا
فإن قيل : فما تأويل الآية ؟ قلنا : تأويلها أنّ أهل الجنّة ينتظرون ثواب اللّه تعالى ، ولا يلزم عليه أن يكونوا في غمّ وحسرة ، لأنّهم في الحال واصلون إلى ما يحتاجون إليه ويثقون بوصول ما ينتظرونه إليهم . وذلك لا يكون تنقيصا . والوجه الثاني من التأويل هو أن نقول : إنّهم ينظرون إلى ثواب اللّه سبحانه وتعالى وقد قيل : إنّ « إلى » في الآية ليس حرفا ، وإنّما هو اسم وهو واحد الآلاء . وفيها لغات أربعة : إلى مثل حسى ، وإلى مثل رمى ، وإلى مثل قفا ، وإلى مثل معا . قال الشاعر :
أبيض لا يرهب الهزال ولا * يقطع رحما ولا يخون إلى
فحذف التنوين للإضافة ، فصار إلى ربّها ، ومعناه : نعمة ربّها . فكأنّه قال :
المنقذ من التقليد — صفحة 128 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي