بصحّة السمع ، فلا يفيد الجواب الصادر من جهته تعالى في ذلك .
وليس كذلك الرؤية التي لا تكون مكيفة ، لأنّ الشك فيها لا يقدح في العلم بصحّة السمع ، فيصحّ الاستدلال بالجواب الصادر عنه تعالى في هذه المسألة أنّه يرى أو لا يرى .
ثمّ انّا نقول : هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى لا يرى ، وذلك لأنّه تعالى قال في جواب هذا السؤال :
« لَنْ تَرانِي »
. و « لن » يفيد النفي في المستقبل على طريق التأبيد ، إذ ليس فيه اختصاص بوقت دون وقت ، فنفى أن يرى تعالى أبدا . وإذا ثبت أنّه لا يرى أبدا ثبت استحالة رؤيته ، لأنّ أحدا لم يقل بانّه لا يراه موسى أبدا وهو مرئيّ .
فإن قيل : أليس اللّه تعالى أخبر عن أنّ اليهود لا يتمنّون الموت بلفظة « لن » ، حيث قال تعالى :
« وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ »
ثمّ أخبر عن أنّهم يتمنّون الموت في النار في قوله تعالى :
« وَنادَوْا : يا مالِكُ : لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ، قالَ : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ »
.
قلنا : كما قال تعالى :
« وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ »
، أكّده بقوله « أبدا » . ولا شكّ في أنّ لفظة « أبدا » يفيد التأبيد ، فعلمنا بهذا أنّه أخرج الكلام مخرج المجاز .
ثمّ ويمكن أنّ يقال - وهو التحقيق - : إنّه تعالى أخبر أنّهم لا يتمنّون الموت في الدنيا قطّ ، والأمر على ما قاله تعالى وما ذكره اللّه تعالى من تمنّنهم إنّما هو تمنّي الموت في الآخرة فلا يقدح فيما ذكرناه .
ووجه آخر : في الدلالة على انّه تعالى لا يرى من الآية ، وهو تعليقه تعالى رؤيته بالمحال ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يريد بقوله استقرار الجبل بعد تحرّكه أو في حال تدكدكه وتحرّكه لا يجوز أن يريد به استقراره بعد تحرّكه ، لأنّ من المعلوم أنّ الجبل استقرّ وموسى عليه السلام ما رآه . فعلم أنّه أراد استقرار الجبل في حال تحرّكه وهو محال ، فثبّت بذلك أنّه علّق الرؤية بالمحال ، والمعلّق بالمحال محال .