وأمّا وجه الممدوحيّة فيه فتحقيقه هو أنّه إنّما يصحّ أن يرى لما يكون متحيّزا أو ذا هيئة كالألوان . فهو تبارك وتعالى تمدّح بنفي هذه الصفات عن ذاته تعالى ، من حيث أنّ كلّ صفة من هذه الصفات تقتضي الحدوث . فإذا ثبت أنّ هذا التمدّح راجع إلى ذاته وجب أن يكون إثباته نقصا كما أنّ إثبات السنة والنوم والصاحبة والولد في حقّه نقص لما كان جميع ذلك تمدّحا بنفي يرجع إلى الذات .
وبعد ، فلو لم يكن إثبات الرؤية نقصا لما كان نفيها مدحا ، لأنّ ما لا يكون نقصا إمّا أن يكون مدحا أو لا يكون مدحا ولا نقصا ، ولا يصحّ التمدّح بنفي واحد من القسمين . ألا ترى أنّه لا يصحّ التمدّح بنفي الاقتدار أو كونه عالما لما كان كلّ واحد منهما مدحا ، وكذا لا يصحّ أن يتمدّح أحدنا بأنّه لا يفعل مباحا لأنّه لا يكون بفعله منصوصا ولا ممدوحا ، فعلمت بهذا أنّ إثبات الرؤية فيه تعالى إثبات نقص . وبذلك يسقط قولهم إنّه تعالى إنّما نفى أن يراه جميع الرائين .
وكذا نقول : فمن أين إنّه لا يراه بعضهم ؟ وذلك أنّه إذا كان كونه مرئيا صفة نقص وجب أن لا تثبت في حقّه تبارك وتعالى لا بالنّسبة إلى بعض الرائين ولا بالنسبة إلى جميعهم .
وأمّا قولهم : « إنّه تعالى إنّما نفى أن تدركه الأبصار » وكذا « 1 » نقول : « فمن أين إنّه لا يدركه المبصرون بالأبصار » . قلنا : هذا التّأويل يخرج الآية من أن يكون مدحا له تبارك وتعالى . وذلك لأنّ الأبصار كما لا تراه كذلك لا ترى غيره ، فأيّ مدحة له في ذلك .
ثمّ نقول : إنّ اللّه تبارك وتعالى خاطب العرب على ما جرت به عادتهم في مخاطباتهم . ومن المعلوم أنّهم إذا أضافوا الفعل إلى الآلة فانّما يريدون إضافته إلى صاحب الآلة ، فيقولون : « يد فلان تبطش أو لا تبطش ، ورجله تمشي أو لا
هامش
( 1 ) ج : وكلّنا .