وذلك لأنّ الرؤية . كما أنّه إذا قيّد بالصماخ أو الخيشوم لم تفد إلّا إدراكا بكون الصماخ أو الخيشوم آلة على الخصوص فيه . وعلى هذا لا يصح إثبات أحدهما ونفي الآخر ، حتى لو قال قائل : رأيت زيدا وما أدركته ببصري ، أو أدركته ببصري وما رأيته ، لتناقض قولاه ، فدلّ على أنّ معناهما واحد .
فإن قيل : أليس يقولون : أدركت حرارة الميل ببصري ؟ ومع ذلك فإنّه لا يفيد الرؤية ، إذ الحرارة لا ترى .
قلنا : هذا ليس من كلام العرب ، وإنّما هو شيء اخترعه الخصم .
فإن قيل : كيف تقولون إنّ هذا ليس من كلام العرب ؟ أوليس من المتصوّر أن يكتحل الانسان بميل حارّ فيجد حرارته ؟ فإذا كان هذا متصوّرا ، فإذا أراد ذلك الإنسان أن يخبر عن تلك الحالة أليس لا بدّ له أن له يقول : أدركت حرارة الميل ببصري ؟ فكيف تنكرون أن يكون ذلك من كلام العرب ؟
قلنا : يمكنه أن يقول : أدركت حرارة الميل بعيني أو بحدقتي . ثمّ وهذا القول إنّما لم يفد الرؤية لأنّه علّقه بالحرارة التي يستوي سائر محالّ الحياة في إدراكها ، فلهذا لم يفد الرؤية فأمّا إذا يفد معلّقا مثل ذلك فلا شكّ في أنّه يفيد الرؤية بهذا ، كما أنّه لو قال : أدركت بصماخي أو خيشومي حرارة شيء يفيد الإدراك الخاصّ بالآلتين . ثمّ ولا يقدح ذلك في أن يكون الإدراك المقيّد بهما من دون تعليقه بحرارة أو برودة مفيدا للإدراك الخاصّ بهما كذلك في مسألتنا .
فإن قيل : لم قلتم إنّه تعالى تمدّح بهذا النّفي عن نفسه ؟
قلنا : هذا مجمع عليه ، وإنّما اختلفت الامّة في جهة المدحة به ، ولأنّ سياق الآية يدل على أنّه مدح ، لأنّ الآية من أوّلها إلى آخرها في مدائح اللّه تعالى ، فانّ ابتداء الآية قوله تعالى :
« بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ »
وانتهاءها قوله تعالى :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 1 » فلا يجوز أن يتحلّلها ما لا يكون
هامش
( 1 ) الانعام : 101 .