مدحا ، لأنّه يخرج الكلام من أن يكون من كلام الحكماء ، ألا ترى أنّ الحكيم لا يجوّز أن يقال : فلان عالم فاضل سخيّ يأكل بالليل ويشرب بالنهار عابد زاهد ، ولأن قال ذلك ، لقدح في حكمته .
فإنّ قيل : لم قلتم إنّ هذا المدح يرجع إلى ذاته ، لا إلى الفعل ؟ وأيّ حاجة بكم إلى هذا الاعتبار ؟
قلنا : إنّما قلنا إنّه يرجع إلى نفسه من حيث إنّ الإدراك ليس بمعنى ما أشرنا إليه من قبل حتّى يقال هذا التمدّح راجع إلى نفي فعله للإدراك ، ولئن كان الإدراك معنى لما صحّ أن يتمدّح تعالى بنفي فعله . وذلك لأنّ رؤية اللّه تعالى عندهم من أعظم الثواب فلا يجوز أن يتمدّح بأنّي لا أفعل ذلك . وإنّما أوردنا هذا التقييد لأنّه لو كان التمدّح بنفي فعل لتصوّر أن لا يكون إثباته نقضا بأن يكون متفضّلا بذلك النفي ، كما لو تمدّح بأنّه يعفو عن العصاة . وذلك لأنّه لو عاقبهم لما كان ذلك نقضا في حقّه من حيث إنّه متفضّل بالعفو .
فإن قيل : فما وجه هذه المدحة ؟ وكيف يتمدّح تعالى به ؟ مع أنّ غيره قد شاركه في أنّه لا يرى كالضمائر من العقائد والإرادات والأنظار .
قلنا : إنّه تعالى ما تمدّح بمجرّد نفي الرؤية عن ذاته ، بل بنفي الرؤية عن ذاته مضافا إلى كونه رائيا . الا ترى إلى قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
« 1 » فصار تمدّحه بذلك كتمدّحه بأنّه لا تأخذه سنة ولا نوم ، لأنّه إنّما تمدّح بذلك بانضمام كونه حيّا إليه ، في قوله تعالى :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
« 2 » وكما تمدّح بأنّه يطعم ولا يطعم . وهذا ممّا لا يشركه فيه غيره .
هامش
( 1 ) الأنعام : 103 .
( 2 ) البقرة : 255 .