لم يكن له عين صحيحة استحال أن يرى ، والعلم بهذا ضروريّ ، وبمثل ذلك يعلم أنّه إنّما يرى باعتبار المقابلة أو حكمها ، لأنّه مهما كان المرئيّ أو محلّه مقابلا له أو في حكم المقابل بأن يكون محاذيا لمرآة مستقبلة له أو ما يجري مجراها من الأجسام الصقيلة صحّ أن يرى ، ومهما لم يكن كذلك لم يصحّ أن يرى ، وهذا أيضا معلوم ضرورة .
فإن قيل : أليس اللّه تعالى يرانا من دون مقابلة أو حكمها ، فهلّا جاز أن نراه من دون المقابلة أو حكمها ؟
قلنا : المقابلة أو حكمها شرط في الرائي بالحاسّة ، والقديم تعالى راء لا بالحاسّة ، فلهذا جاز أن يرى من دون مقابلة أو حكمها .
فإن قيل : إذ لم تكن المقابلة أو حكمها شرطا في رؤيته تعالى ، فهلّا جوّزتم أن يرى تعالى نفسه ؟
قلنا : إنّما لم نجوّز ذلك لأنّ القول بأنّه تعالى يرى نفسه مع استحالة أن يراه غيره قول خارج عن أقوال الأمّة على ما ذكرناه من قبل ، فثبت أنّه تعالى يستحيل عليه الرؤية .
مما يدلّ على أنّه تعالى لا يرى ، قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 1 » ووجه الدلالة من الآية أنّه تعالى تمدّح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه ، وإدراك الأبصار إنما هو الرؤية وهذا التمدّح راجع إلى النفس ، لا إلى نفي فعل ، فيجب أن يكون إثباته نقصا ، والنقائص مستحيلة عليه تعالى ، فلا يجوز أن يرى .
فإن قيل : لم قلتم إنّ إدراك البصر إنّما هو الرؤية ؟
قلنا : لأنّه إذا قيّد بالبصر أفاد إدراكا يكون البصر على الخصوص آلة فيه .
هامش
( 1 ) طه : 77 .