كذلك لا يجوز أن يعلم قادرة من غير أن يعلم حيّة موجودة .
والجواب عن أوّل ما تعلّق به ، أنّ المعتبر فيما يدلّ الفعل عليه هو ما يصحّ الفعل ، ولولا حصوله لما صحّ ولا اعتبار بما صحّح ما صحّح الفعل . ألا ترى إنّه كما أنّ القادر لولا كونه حيّا موجودا لما صحّ كونه قادرا ، وكذلك لولا وجود القدرة التي لولا حصولها لما كان قادرا ؟ ! والفعل مع ذلك لا يدلّ على جميع ما ذكرناه وإن كان في حظ « 1 » في تصحيح ما صحّحه ، وكذلك دليل حدوث الجسم لا يدلّ على أنّ له محدثا ، وإن كان لولا محدثه لما حدث ، فقد بان أنّ الذي تعلّق به غير لازم ، وأنّ الفعل إنّما يجب أن يدلّ على [ أنّ ] ما صحّحه بغير واسطة ولا حظّ له في الدلالة على ما سوى ذلك .
ويقال له فيما تعلّق به ثانيا : إنّ العلم بأنّه حيّ ليس متعلّقه أنّه يصحّ ، وإنّما هو علم بكونه على حال يصحّ « 2 » كونه قادرا عالما ، كما أنّ العلم بأنّه قادر ليس هو علما بصحّة الفعل ، وإنّما هو علم بكونه على حال يصحّ معها المحكم ، وذلك أن الجاهل إنّما لم يتأتّ منه الفعل المحكم ؛ لأنّه ليس بعالم ، وإن كان في كونه غير عالم يصاحب كونه جاهلا . ألا ترى أنّه قد يتعذّر عليه مع انتفاء العلم والجهل جميعا ؟ !
فإن قيل : فبأيّ طريق يعلم في الغير أنّه جاهل ؟
قلنا : بأن يضطرّ إلى اعتقاد به يعلم بطلانه ، وهذا مثل علمنا باعتقاد المجبرة والمشبّهة لنا هاهنا إصرارا « 3 » ، وعلمنا له بالدليل بطلان ذلك الاعتقاد .
فإن قيل : ألا جوّزتم أن يقوم الاعتقاد أو الظنّ مقام العلم في صحّة وقوع الفعل محكما ، فإذا كان يعذر الفعل على بعض القادرين دون بعض ، يدلّ على مفارقة ، وإلّا جاز أن يكون هذه المفارقة هي الاعتقاد والظنّ ؟
قلنا : الاعتقاد الذي ليس بعلم والظنّ لا يقتضيان سكون الذي معه يقع التصرّف في أحكام الفعل واتّساقه ، فإذا كان الفعل هو المقتضي لذلك دون غيره ، وجب أن ينوب غيره منابه .
يبيّن ما ذكرناه أنّ من جنّ أو سكر بعد أن كان عالما بترتيب المذاهب أو ببعض
هامش
( 1 ) . في الأصل : حط .
( 2 ) . في الأصل : تصحيح .
( 3 ) . أقرب الاحتمالات لقراءة الجملة المكتوبة في الأصل .