قلت : لا ؛ لأنّه إذا لم يثبت كون أحدنا فاعلا ، لم يصحّ إثباته قادرا ؛ لأنّ التوصّل إلى إثبات حال القادر إنّما هو بصحّة الفعل ، فإذا لم نعلم في أحدنا بمثل « 1 » ذلك الاستدلال صحّته ، لا سبيل إلى إثباته قادرا ، فضلا عن « 2 » أن نعلم وقوع تصرّفه بحسب هذه الحال ، وإذا علمناه بالطريقة المتقدّمة أنّه فاعل لما يقع بحسب قصوده وأثبتناه قادرا بقدرة يجوز عليها ، وعلمنا أنّ النوم والسهر وما جرى مجراهما لا ينفي القدر ، صحّ لنا الاستدلال على أنّ تصرّفه في حال نومه واقع بحسب الحال التي علمنا حاله في حال يقظته ، وأنّ النوم لا يضادّها ولا يحرفه عنها ، فصحّ بذلك الاستدلال بهذه الطريقة في الثاني دون الأوّل .
وأمّا الإرادة نفسها ، فالذي يدلّ على أنّها فعله ، إنّها تقع تابعة لدواعيه . ألا ترى أنّ الداعي الذي يدعو إلى الأكل يدعوه إلى فعل إرادة الأكل ، والصارف الذي يصرف عنه أو عن غيره من الأفعال ، تصرفه عن فعل الإرادة ويدعوه إلى فعل الكراهة ؟ ! وهذا واضح .
وإذا ثبت حاجة التصرّف الذي يظهر منّا إلينا وتعلّقه بنا ، فالذي يدلّ على أنّه إنّما احتاج إلينا من ذلك دون غيره ؛ لأنّ غير الحدوث ليس له هذا الحكم الذي ذكرناه . ألا ترى أنّ العالم منّا لمّا احتاج في كونه عالما إلى علم احتاج إليه في الصفة التي تتجدّد له عند وجوده ، وهي كونه عالما دون سائر صفاته ، والسواد لمّا احتاج في انتفائه إلى البياض ، احتاج إليه فيما يحصل عند وجوده وهو الانتفاء ، فكذلك التصرّف إذا كان محتاجا إلينا ، فيجب أن يكون وجه حاجته من الصفة المتجدّدة له عند قصودنا ، وهي الحدوث .
فإن قيل : ألا أثبتّم حاجة التصرّف إليه من حيث كان كسبا ؟
قلنا : تعليق الحاجة لصفة من صفات الفعل ، يقتضي كون تلك الصفة معقولة للعقل .
ألا ترى أنّا لمّا علّقنا الحاجة بالحدوث لم نحل على أمر مجهول ، بل على ما يعقله كلّ عاقل ، وإن احتاج في المعرفة بتعلّق الحاجة به إلى ضرب من الاستدلال ، وليس نعقل ما يدّعيه خصومنا من معنى الكسب ، وعلى من اعترض بذلك أن يعقلنا أوّلا هذه الصفة ، ثمّ ينازع في تعلّق الحاجة بها ، وسنشبع الكلام في الكسب ونوضحه فيما يأتي من الكتاب بعون اللّه ومشيّته ، على أنّ الكسب لو كان معقولا كما تدّعون وجاز تعلّق الحاجة به ، لم
هامش
( 1 ) . في الأصل : مثل ؛ وفي الهامش : بمثل .
( 2 ) . في الأصل : على ؛ وفي الهامش : عن .