الساهي والنائم فعلا لغيرهما ، بل لوجب أن يكون الإرادة خارجة من أفعال العباد ، فمثل ما ذكرناه من الاعتبار إنّما هو دلالة لا حدّ ، والدلالة لا يجب فيها العكس ، وإنّما يجب ذلك في الحدود ، وليس نمنع إثبات الحكمين المتماثلين بدليلين مختلفين ، ووجود مثل مدلول الدلالة مع فقدها لا يكون نقصا ، وإنّما النقص وجود الدلالة مع فقد مدلولها ؛ لأنّ ذلك هو الذي يخرجها من كونها دلالة . ألا ترى إنّا نثبت حدوث الأجسام بدليل لا يتأتّى في حدوث الأعراض ، وإنّما نثبت حدوث الأعراض بدليل آخر ، ولا يقتضي ذلك فسادا ، لأنّ الدلالة كاشفة وليست بعلّة موجبة ، ولا يمتنع أن يكشف عن الأشياء المتماثلة الأشياء المختلفة .
فإن قيل : فما الذي يدلّ على إثبات تصرّف الساهي والنائم فعلا لهما ، وعلى أنّ الإرادة فعل لكم ، إذا كان ما ذكرتموه من الطريقة لا تتأتّى فيه ؟
قلنا : هذا ممّا لا يلزم في هذا الموضع ، لا لأنّ قصدنا يتمّ من دونه . ألا ترى إنّا إنّما أجرينا في هذا الكلام إلى إثبات حوادث تتعلّق بنا من حيث كانت محدثة ، لنبني على ذلك حاجة كلّ المحدثات إلى محدث ، وهذا يتمّ وإن لم يدلّ على أنّ جميع تصرّفنا في جميع الأفعال فعل لنا ، غير أنّا نتبرّع بذكره حتّى لا يدخل من جهته شبهة .
فنقول : فعل السّاهي أو النائم وإن لم يقع بحسب قصوده ، فمعلوم أنّه لو كان عالما بالفعل له وممّن يقصد إليها ، وهو غير ساه عنها ، لوقع بحسب قصده ، ويخالف في هذه القضيّة فعل غيره الذي لا يجب ذلك فيه ؛ ولهذا ربّما أخبروا من هذا السؤال في أصل الاستدلال بأن يقال : إنّ تصرّفاتنا يجب وقوعه بحسب قصودنا إمّا حقيقة أو تقديرا ، فيتجوّز بذكر التقدير من تصرّف الساهي ومن جرى مجراه .
وأيضا : فإنّ الساهي وإن لم يقع تصرّفه بحسب قصده ، فإنّه بحسب حال له أخرى ، وهو كونه قادرا . ألا ترى أنّ القوي إذا نام كأنّه يقع منه من التصرّف والاعتماد على مقدار قوّته ولا يقع ذلك من الضعيف والمريض النائمين ، فعلم بذلك أنّ التصرّف من فعله لوقوعه بحسب أحواله ؛ لأنّ تصرّف غيره لا يجب وقوعه بحسب كونه هو قادرا .
فإن قيل : والأصحّ الاستدلال بهذه الطريقة في أصل الاستدلال .
الملخص في أصول الدين — صفحة 67
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٦٧