عند القصد أو أن يكون الألوان من أفعالكم ؟
قلنا : قد تضمّن كلامنا شرطين :
أحدهما : أن يكون الفعل حادثا .
والآخر : أن يجب وقوعه بحسب قصودنا وأحوالنا ، كالقيام وعند الضرب ؛ لأنّه لم يثبت حدوثه ، وإنّما يقولون الدم المنزعج « 1 » من مكانه المجتمع إلى مكان آخر ؛ ولهذا يختلف بحسب صلابة الموضع ورخاوته ، وكثرة الدم وقلّته ، وأيضا فلو كان حادثا لم يلزم على ما ذكرناه ؛ لأنّه غير واجب وقوعه بحسب قصودنا . ألا ترى إنّ أحدنا لو ضرب العين وما أشبهها من المواضع الدقيقة وقصد إلى أن لا يحصل هذا اللون ، لما كان أيضا لقصده تأثير يعلم أنّه مفارق الأفعال الواقعة بحسب قصودنا .
فإن قيل : إذا جاز عندكم أن يفعل القديم تعالى فيكم هذا التصرّف بحسب قصودكم ولم يمكنكم أن تمتنعوا من أحوال كونه قادرا على ذلك ، فألّا تمنعكم ذلك من القطع على تعلّق قدر هذا التصرّف بكم لهذا التجويز ، ويشكّكم « 2 » في وقوع ما جرّبتموه ؟
قلنا : كلّ سؤال لا يصحّ إلّا بعد صحّة ما يقدح به فهو باطل ؛ لأنّ صحّته يقتضي صحّة ما اعترض بالسؤال عليه وصحّة ذلك يقتضي بطلان السؤال ، وتفسير هذه الجملة أنّ القديم تعالى لا يصحّ إثباته بصفاته إلّا بعد أن يثبت تعلّق ما يظهر من التصرّف بنا وحدوثه « 3 » من جهته « 4 » ليبتني على ذلك حاجة كلّ محدث إلى محدث ، ثمّ يثبت له من الصفات ما يقتضيه الأدلّة ، ولا طريق إلى اثبات محدث للأجسام إلّا بذا دون غيره ، وقد بيّن الشيوخ صحّة هذا الطريق في غير موضع ، ولعلّنا أن نشرحها من باقي الكتاب إن عرض ما يحتاج فيه إلى شرحها ، وإذا ثبت أنّه لا طريق إلى إثبات القديم تعالى بصفاته « 5 »
هامش
( 1 ) . أزعجته عن موضعه أي أزالته .
( 2 ) . في الأصل : شككتم ؛ وفي الهامش : يشككم .
( 3 ) . تعليقة في هامش الأصل : فانّا لو جوّزنا أن يكون ما يظهر في التصرف منا ، مع حدوثه بحسب قصودنا ودواعينا ، لم يكن متعلقا بنا ، ولم يكن بحق مع هذه العلاقة قادرين عليه ، كيف يمكننا إثبات أنّه تعالى قادر ، أو السبب في ذلك هو حدوث العالم بحسب قصده ودواعيه ، والمفروض أنّه لا يدل ذلك عليه ؟
بل نقول : هذا التجويز سد لباب إثبات الصانع ، فإنّه مع تجويز أن لا يكون ما يظهر من التصرف مع كونه حادثا بحسب قصدنا ، متعلقا بنا ومحتاجا إلينا ، ولا يكون لنا فيه تأثير ، لم يمكن الحكم بأنّ الحادث محتاج إلى محدث ، فتأمّل .
( 4 ) . أي من جهة ظهوره منا ، وفي الأصل : جهة .
( 5 ) . في الأصل : بصفاتها .