والرعية الملك غير واجبة ، وإنّما يحصل منهم الطاعة بحسب اعتقادهم فيها المنفعة ودفع المضرّة ، ولهذا لو اعتقد العبد - أو واحد من الرعية - أنّ طاعة المولى أو الملك تضرّه ضررا عظيما لا يتلافاه لعصاه ، وكذلك لو ألزمه مولاه الكتابة وهو أمّي لم يطعه ، فقد عاد الأمر إلى أنّ تصرّفهم بحسب أحوالهم لا بحسب أحوال من يطيعونه ، ويكفي في هذا الموضع أن يجد من يخالف مولاه أو ملكه في فعل واحد ، من « 1 » الفرق بين الأمرين ؛ لأنّ المخالفة لا يمكنه أن توجد بإزاء ذلك ، ممّن يريد شيئا من نفسه ولا يقع مع السلامة .
فأمّا وقوع ما يريد [ ونه ] أهل الجنّة ، فمعلوم أنّه غير واجب الوجود الذي أردناه ، وإنّما يفعل القديم بحسب ما وعدهم به ، والذي يبيّن أنّه غير واجب أنّهم لو أرادوا أن يفعل بهم من الثواب أكثر ممّا يستحقّونه لم يقع ، وكذلك لو أراد أحدهم أن يسوّى « 2 » بينه وبين النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الثواب لما وقع ما يريده ، فبان ما ذكرناه .
فأمّا الاعتراض بوقوع أفعال الملجأ بحسب إرادة الملجئ ، فغير صحيح أيضا ؛ لأنّ فعل الملجأ لا يقع إلّا بحسب أحواله ، وإنّما الإلجاء إلى الفعل يلجئ إلى إرادته ، فالملجئ لا يفعل إلّا ما أراده وقوّى دواعيه إليه .
وليس لهم أن يقولوا : إذا كان الملجئ تقع أفعاله بحسب إرادته وإرادة ملجئه ، فلم حكمتم بتعلّق الفعل به دون ملجئه ، وجهة التعلّق الذي اعتمدتموها حاصلة فيهما « 3 » معا ؟
وذلك أنّ الأمر وإن كان على ما ذكروه ، فالاعتبار بأحوال الملجأ دون الملجئ ، لأنّه لو كان الملجأ على هذا الحال من غير أن يكون الملجئ عليها ، لم يخلّ ذلك بوقوع الفعل ، ولو وجب وقوعه - لو كان الملجئ على هذا الحال ، وليس الملجأ عليها - لما وقع الفعل ، فصار الاعتبار إنّما هو بحال الملجأ التي يخلّ اختلافها ؛ لوقوع الفعل دون حال الملجأ .
ويوضّح أيضا ذلك ما ذكرناه من أنّه لو ألجأه وهو أمّي إلى الكتابة ، لم يقع منه من حيث لم يكن عالما بها .
فإن قيل : أليس قد يقع بحسب قصودكم ما تقولون إنّه ليس هو فعلا لكم ، نحو الحمرة والخضرة التي يحصل عند الضرب ، وهذا يقتضي أحد الأمرين : إمّا فساد اعتباركم بما يقع
هامش
( 1 ) . في الأصل : من في .
( 2 ) . في الأصل : يرى ؛ وفي الهامش : يسوى .
( 3 ) . في الأصل : فهما .