الحاجة .
فإن قيل : دلّوا على أنّ هذه الأفعال تتعلّق بعد أن تفسّروا معنى هذا التعلّق ، وأنّها محتاجة إليكم في حدوثها دون غيرها ، وأنّ ما شاركها في الحدوث يحتاج إلى محدث ؟
قلنا : قد ثبت أنّ تصرّفنا يجب وقوعه وانتفائه بحسب أحوالنا مع السلامة وارتفاع الموانع . ألا ترى أنّ أحدنا متى أراد القيام ودعى الداعي إليه وكان قادرا عليه وغير ممنوع منه ، فلا بدّ من وقوع القيام منه ، وكذلك إذا كرهه وصرفه الصارف عنه ، لا بدّ من انتفائه ، ولهذا نقطع على وقوع الأكل من الجائع الذي يحضره الطعام ويمكّن من تناوله ، فإن عرض له عارض وصارف مثل أن يعتقد أنّ الطعام مسموم لم يقع الأكل ، واختلف الأمر في وقوعه وانتفائه بحسب أحواله في كونه عالما ؛ لأنّ الكتابة لا تقع من الأمّي لأنّه لا يعلمها ، ويقع ممّن يعلمه من . . . . . . . « 1 » وغير ذلك ، وهذا هو التعلّق الذي نشير إليه ، وهو معلوم ضرورة لسائر العقلاء .
والذي يدلّ على أنّ التصرّف محتاج إلينا ، إنّه لو لم يكن بهذه الصفة ، لم يجب له هذا التعلّق الذي ذكرناه ، كما أنّ ألواننا وهيئاتنا لمّا لم تكن محتاجة إلينا ، لم تقع بحسب أحوالنا ، ولا كان لنا معها هذا التعلّق الذي يحصل مع تصرّفنا ، وكذلك أفعال غيرنا كقيامه وقعوده لمّا لم تكن محتاجة إلينا / 7 / لم تتعلّق بأحوالنا ، وكلّ هذا يدلّ على ثبوت حاجة التصرّف إلينا .
فإن قيل : أليس قد يريد الإنسان من أفعاله ممّا لا يقع ، فكيف ادّعيتم وجوب ذلك ؟
قلنا : ليس يجوز أن يريد ما لا يقع مع السلامة وارتفاع الموانع ، وإنّما لا يقع ما يريده بأن لا يكون قادرا عليه أو بأن يكون مع كونه قادرا ممنوعا ، وقد سقط بما اشترطناه من ذكر الوجوب اعتراضهم ؛ لوقوع تصرّف العبد بحسب إرادة المولى وتصرّف الرعيّة بحسب إرادة الملك ووقوع ما يريده أهل الجنّة من اللّه تعالى على حسب ما يريدونه ، وذلك أنّ سائر ما طعنوا به وإن حصلت فيه المواقعة فهو غير واجبة ، وإنّما اعتبرنا في وقوع أفعاله بحسب أحوالنا الوجوب الذي هو غير حاصل هاهنا . ألا ترى أنّ طاعة العبد المولى
هامش
( 1 ) . كلمتان غير مقروءتان .