والمستقبل ، لجاز لغيره أن يفرّق في سائر ما ذكرناه .
فإن قيل : وما الدليل على صحّة استحالة ما ذكرتموه في المستقبل ، حتى يصحّ بناءكم الماضي عليه ؟
قلنا : لو جاز من بعض القادرين أن يبتدئ فيفعل ما لا نهاية له ، لصحّ من كلّ قادر مثل ذلك ؛ لأنّه لا وجه معقول يمكن أن يذكر في اختلاف القادرين في هذا الباب ، وهذا يوجب أن يصحّ من أحدنا أن يبتدئ فيدخل دارا بعد دخوله ما لا نهاية له من الدور ، ويقتضي أن يصدّق من أخبرنا بذلك عن نفسه ، أو يجوّز صدقه كما يجوّز تصديق المخبر عن كلّ أمر جائز وقوعه ، فلمّا كان ذلك مستحيلا منّا و [ إذا ] أخبر به يقطع على كذبه ، علمنا أنّه لم يجز ماضيا لمساواة الماضي للمستقبل في هذا الباب ، على أنّ تعلّقهم في هذا المثال الذي ذكرناه أنّه مستقبل وما أجازه ماض ، لا يغني شيئا مع ما بيّنّاه من تساوي حكم الماضي والمستقبل في هذه القضيّة ، ولو أبدلنا « 1 » لفظ المثال الذي أوردناه إلى لفظ الماضي [ حتى ] يدلّ لدلالته إذا كان بلفظ الاستقبال ، لعلمنا بأنّ القائل إذا قال : « لم أدخل هذه الدار إلّا بعد أن دخلت ما لا نهاية له من الدور » أو قال « 2 » : « لم أدخل دارا إلّا بعد أن دخلت دارا قبلها » ، فإنّه متى دخل دارا كاذب في قوله ، [ إذا ] شرطه الذي عقده في دخول الدار لم يقع ، فبان وضوح الكلام من كلّ وجه ، وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى وذكرنا فيه وجوها كثيرة وزيادات يقتضيها الكلام في مقالة ليحيي بن عديّ النصراني المنطقي وسمّيناها ب « الكلام فيما يتناهى ولا يتناهى » وفيما ذكرناها هنا كفاية .
فصل في الدلالة على إثبات المحدث
الذي يدلّ على ذلك ، أنّ التصرّف الذي يظهر منّا كالقيام والقعود وغيرهما ، قد ثبت حدوثه بما دلّلنا به على حدوث جميع الأعراض ، فثبت تعلّق ذلك بنا وحاجته إلينا في حدوثه دون سائر صفاته ، وهذا يقتضي حاجة كلّ محدث إلى محدث للمشاركة في علّة
هامش
( 1 ) . في الأصل : دخلنا .
( 2 ) . في الأصل : ان .