يكون له أوّل وآخر ، فمن وصفه بالحدوث ونفى تناهيه ظهرت مناقضته .
ولا يلزم على هذا تناهي الحوادث المستقبلة ، وأن يكون نعيم أهل الجنّة وعقاب أهل النار منقطعين على ما يزال يلزمونا إيّاه .
وذلك أنّ الفرق بين الأمرين واضح ؛ لأنّ المستقبل من الحوادث ما دخل حقيقته « 1 » في الوجود ، ولا فرغ فاعله منه ، ولا يلزم أن يكون متناهيا ، والماضي من الحوادث قد انقطع وجوده وفرغ فاعله منه ، فلا بدّ من تناهيه .
على أنّا نقول في المستقبل مثل ما قلناه في الماضي ، فنحكم بتناهي كلّ ما وجد منه ، كما حكمنا بتناهي الماضي ؛ لأنّ العلّة في تناهي الجميع واحدة ، ومعنى قولنا « إنّ النعيم والعقاب غير منقطعين » هو أنّ فاعلها يفعل منهم الشيء بعد الشيء ، ولا يريد نفي النهاية عن الوجود فيهما ؛ ولهذا جاز أن يكون لا آخر للأفعال ، ولا يجوز قياسا على ذلك أن لا يكون لها أوّل من حيث كان في الآخر ، [ إذ ] لا يقتضي وجوده ما لا يتناهى ، ونفي الأوّل يقتضي ذلك .
وممّا يدلّ على أنّ الحوادث أوّل أوانها متناهية ، أنّه لو كان لا أوّل لها لوجب أن يكون فاعلها لم يفعل شيئا منها إلّا بعد أن فعل ما لا نهاية له ، وهذا ممّا لا يصحّ ؛ لأنّه لو صحّ ذلك ماضيا لصحّ مستقبلا ، وفي علمنا باستحالة أن يبتدى بفعل ما لا نهاية له ثمّ يفعل بعد ذلك فعلا من الأفعال ، دليل على تناهي الحوادث .
فإن قيل : ولم جمعتم من الماضي والمستقبل في هذا الباب ؟
قلنا : لأنّ المضي والاستقبال من أوصاف الزمان ، لا تأثير له في استحالة ما يجري هذا المجرى ولا في صحّته ؛ ولأنّه لا ماضي إلّا وقد كان مستقبلا ، كما أنّه لا مستقبل إلّا وسيصير ماضيا ، فيجب أن يكون كلّ شرط استحال معه إحداث الفعل في المستقبل ، يستحيل معه في ذلك فيما مضى . ألا ترى أنّه لما استحال في المستقبل وقوع الفعل من غير قادر ، استحال مثله في الماضي ، وكذلك [ لمّا ] استحال أن يتعلّق وجود الفعل مستقبلا وجود الضدّين ، استحال ذلك ماضيا ، فلو جاز لأحد أن يفرّق فيما لا نهاية له من الماضي
هامش
( 1 ) . في الأصل : صفته .