فصل في إفساد قولهم بالكسب « 1 »
المذهب يجب أن يكون مفهوما قبل أن نتكلّم في صحّته أو فساده ، فلو كان مذهبهم في الكسب معقولا لفهمناه عنهم مع طول المباحثة والمناظرة .
وليس يجوز أن تكون العلّة في بعدنا عن فهمه ، اعتقادنا بطلانه ؛ لأنّا قد نفهم مذاهب المبطلين على اختلافها وتعلّلها ونتكلّم على بطلانها ، ومذاهب هؤلاء القوم الباطلة في غير الكسب كثيرة ، لا ندّعي أنّها غير مفهومة ، واعتصامهم بالفرق الذي نجده بين حركة المفلوج وبين حركة المختار لا يغني شيئا ؛ لأنّ هذا الفرق أوّلا للحيّ دون الفعل ، لأنّ الحيّ يجده من نفسه ، وإنّما كلامنا معهم في صفة يدّعونها للفعل زائدة على حدوثه .
والسبب في الفرق الذي أشاروا إليه ، أنّ حركة المفلوج غير تابعة لاختياره ، وحركة المتصرّف على إرادته واقعة بإيثاره واختياره ، ويلزمهم أنّ اللّه تعالى لو أجرى العادة بأن يفعل اللون متى أردناه ، ويرفعه متى كرهناه ، أن تكون الألوان معنا مثل سائر ما ينسب إلى فعلنا من الحركات .
على أنّهم إذا ادّعوا فرقا بين الحركة الضروريّة والاختيارية ، يقتضي تعلّقا منّا بإحداهما ، أمكن أن يقال لهم : إنّ ذلك التعلّق هو محدوث الاختياريّة بنا ، ووقوع الضروريّة من اللّه تعالى فينا ، فمن أين كصفة زائدة على الحدوث ويمكن إسناده إليه ؟
على أنّ الفرق الذي أشاروا إليه ممكن في جميع المتولّدات ، وقد نفوا كونها كسبا .
ألا ترى أنّ أحدنا يفصّل بين أن يكتب وينسخ مختارا ، وبين أن يأخذ بيده آخذ فيكتب بها أو ينسخ ، ولم يقتض ثبوت هذا الفرق بين الأمرين أنّ أحدهما كسب ، وقد ألزمهم الشيوخ أن يكون اللّه تعالى قادرا على الفعل من جهة الكسب ؛ لأنّ جهة تناول القادر للفعل
هامش
( 1 ) . ملاحظة : هذا الفصل - والذي يليه - هو آخر فصول مبحث ( الكلام في الفعل المخلوق ) المتعلّق بأواخر الجزء الثالث - حسب تقسيم المصنّف - رحمه اللّه - لكتابه - لكنّه مدرج في بداية الجزء الرابع للكتاب لسبب مجهول علينا ، ولعلّه من فعل الناسخ ، وبما أنّ المصنّف لم يكمل الجزء الرابع من الكتاب ، بل ألحق تتمّة بما كتبه منه وسمّاه باسم الذخيرة في أصول الدين فارتأينا أن نسلخ الفصل الأول والثاني من بداية الجزء الرابع وإلحاقه بنهاية الجزء الثالث ، لتكمل الفائدة به ، وللّه الحمد .