فصل في الإشارة إلى ما يدخل في مقدور العباد من الأجناس
اعلم أنّ مقدورنا على ضربين :
منه ما يختصّ القلب ، فلا يصحّ وجود قبيله في محلّ سوى القلب ، فلقّبناه بأنّه فعل القلوب .
والضرب الآخر : يصحّ وجود قبيله في حيّز القلب فقلنا : إنّه فعل الجوارح .
وليس من أفعال القلوب إلّا ما هو داخل في مقدورنا ، إلّا الشهوة والنفار .
والسهو إن ثبت أنّه معنى على ما يذهب إليه أبو عليّ وأبو هاشم ، فعلى قولهما أيضا يجب أن يكون خارجا من مقدوراتنا ، ومختصّا بمقدوره تعالى .
والشبع والرّي « 1 » إن ثبتا معنيين ، لم نرجع بهما إلى انتفاء الشهوة على وجه مخصوص .
وما عدا ذلك من أفعال القلوب فهو من مقدورنا ، وأجناس الاعتقادات والإرادات وأضدادها من الكراهات .
والظنّ - على أنّه خارج من قبيل الاعتقادات - وإن كان من قبيلها فقد دخل في جملتها في الحكم الذي ذكرناه في النظر « 2 » .
فأمّا التمنّي ، فإن لم يرجع إلى الاعتقاد المخصوص ، والقول الذي يظهره المتمنّي ، وكان جنسا مفردا ، فهو أيضا من جملة مقدوراتنا .
وكذلك الندم ، إن لم يرجع إلى الاعتقاد المخصوص لفوت المنفعة ولحوق المضرّة بما مضى من أفعاله ، وكان جنسا مفردا ، فهو أيضا من مقدورنا .
فأمّا الغمّ والشرّ ، فلا شبهة في أنّهما من قبيل الاعتقادات .
وأمّا أفعال الجوارح في الأكوان : على اختلاف أجناسها وألقابها ، والاعتمادات على خلافها ، والمماسّة التي تسمّى بالبقاء ، والآلام واللذات والأصوات على اختلاف أجناسها ، فهذه الأجناس أجمع في مقدورنا ، وما عداها ممّا يحلّ الجوارح من الأكوان « 3 » وغيرها يختصّ تعالى بالقدرة عليه .
هامش
( 1 ) . أي الارتواء من الماء .
( 2 ) . في الأصل : فالنظر .
( 3 ) . في الأصل : الألوان .