الكفر !
وليس لهم أن يدّعوا : أنّ ذلك تعجيز له ؛ لأنّ التعجيز إنّما يدخل في أجناس المقدورات ، ولا جنس من المقدورات إلّا [ ال ] قادر « 1 » تعالى قادر عليه على ما لا يتناهى ، فكون المعجز دليلا لا يرجع إلى الجنس ، وإنّما يستند إلى قبحه إن لم يكن المدّعي صادقا ، وهذا باب قد سدّوه في اللّه تعالى ، فجرى مجرى امتناعهم من أن يكون في مقدوره علم يكون به عالما ، وشهوة يكون بها مشتهيا ، وحركة يكون بها متحرّكا ، في أنّ « 2 » ذلك ليس بتعجيز له ، وإنّما هو نفي لكيفية فعل عليه ، فألّا كان الأوّل مثله .
ووجه لزوم القسم الثاني / 130 / أيضا واضح ؛ الدعاء إلى الضلال والباطل يقبح منّا دونه ، فألّا جاز دخوله في أفعاله التي لا يتعلّق بها القبح .
وليس لهم أن يقولوا : إذ كان الدين والحقّ هو ما يؤدّيه النبيّ ؛ لأنّ العقل لا يقتضي شيئا من ذلك ، فأيّ معنى لإلزامكم أن يدعو النبيّ إلى خلاف الحقّ ؟
وذلك أنّ الإلزام يجب أن يتوجّه على المذهب الصحيح دون الباطل ، وقد بيّنّا فيها سلف أنّ في العقل قبيحا وحسنا ، وباطلا وحقّا ، فتوجّه الإلزام .
ثمّ لو سلمنا ما ذكروه ، لكان أيضا متوجّها ؛ لأنّا نفرض أن نبيّا سابقا دعا إلى دين وحقّ عرفا من جهته ، ثمّ بعث من بعده نبيّ آخر ينهى عن نفس ما أمر به ، على وجه يخالف القبيح ، فهو داع إلى خلاف الدين وضدّ الحق ، وليس قوله بأن يتّبع أولى من قول السابق ، فقد بان بوجه الإلزام .
وممّا يلزمهم أيضا : أن يصينوا اللّه تعالى من فعل القبيح والجور والكذب ، بأنّه ظالم جائر كاذب ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ؛ لأنّ هذه الأوصاف تتبع معنى الفعليّة التي قد أضافوا إليه عزّ وجلّ ، وقد بيّنّا فيما مضى من هذا الكتاب ما يراد على هذه الإلزامات من الزيادات ، وأجبنا بالواضح الجليّ عنها ، وأوردنا في هذا الفصل ما هو لائق به وغير مستغن عنه .
[ والحمد للّه ربّ العالمين وصلواته على نبيّه محمّد وعترته الطاهرين . ]
هامش
( 1 ) . في الأصل : وهو قادر .
( 2 ) . في الأصل : اين .