لا يختلف باختلاف القادرين ، كما لم يختلف ذلك في وجوه العلم والإدراك ، والمرادات والأجناس ، وإن دخل فيهما اختصاص بين القادرين ، فلن يدخل في جهة تعلّق القادر بالمقدور اختصاص ، وبطلان حدودهم للكسب قد نبّهنا عليه في هذا الكتاب ، وذكرنا أنّ الحدود كلّها مبنيّة على تعاطي تفسير لفظه بما لا يصحّ أن يعلم ، إلّا بعد أن يعلم معنى تلك اللفظة .
على أنّا لو تجاوزنا عن أنّ الكسب غير معقول ، وسلّمنا أنّه معقول ، لكان غرضهم في ذكره منتقصا ؛ لأنّه إذا كان من مذهبهم أنّ اللّه تعالى متى فعل في العبد القدرة والفعل وجب كونه مكتسبا ، ولم يجز ألّا يكون كذلك ، ومتى لم يفعل ذلك استحال كونه مكتسبا ، فقد صار أحدنا في حكم المحمول على الفعل فلا يستحقّ مدحا ولا ذمّا ، ولا ثوابا ولا عقابا ، وإنّما كانوا ينتفعون بذكر الكسب لو انفك أحد الأمرين من الآخر .
فصل في ذكر ما يلزمهم على القول بالمخلوق
يلزمهم ألّا يكون للّه تعالى على الكافر نعمة ؛ لأنّه خلق فيه الكفر على مذهبهم ، فكفره مفض به إلى استحقاق العقاب الدائم والخلود في النار ، وإذا لم يكن عليه نعمة لم يستحقّ للّه الشكر ولا العبادة ؛ لأنّها كنفيه « 1 » في الشكر ، والقول عليه بذلك خروج عن الإجماع وانسلاخ عن الدين !
وليس لهم أن يقولوا : ليست له عليه نعمة دينيّة ، وإن كان عليه نعمة دنياويّة ، كالحياة والسمع والبصر ، وضروب المنافع واللّذات العاجلة .
وذلك أنّ كلّ شيء عدّدوه ليس بنعمة على الحقيقة ، إذا كان مؤدّيا إلى العقاب ، ومفضيا إلى دخول النار ، بل هو مضرّة وبليّة ، وإن كان فيه عاجل نفع يجري مجرى من سمّن غيره وأطعمه الملاذّ ، من المأكل وغيره قصده أن يأكله ، في أنّه ليس بنافع له ولا منعم عليه .
ولو سلّم أنّ ذلك نعمة - على بعده - لكان لا يستحقّ به الشكر ولا العبادة ؛ لأنّه قد اقترن
هامش
( 1 ) . هكذا تقرأ الكلمة في الأصل .