فمثال الأوّل : العلم المتولّد عن النظر .
ومثال الثاني : كلّ ما يتولّد عن الاعتماد من الحركات وغيرها ، ومثاله التأليف ، لأنّ الجزء الواحد منه يتولّد عن إحدى المجاورتين ، فيوجد في محلّها وفي محلّ المجاورة الأخرى .
ولعلّنا أن نفصّل هذه الجملة إذا نهينا إلى الكلام في التولّد من هذا الكتاب بمشيّة اللّه وعونه .
فأمّا القديم تعالى فقد يفعل على جهة التوليد ، وإن لم يكن محتاجا إلى المسبّب ، على ما سيجيء بيانه بإذن اللّه .
فأمّا المباشر فلا يصحّ في أفعاله ؛ لاستحالة فائدته عليه ، ويختصّ تعالى بالاختراع ، وحدّ الفعل المخترع ما ابتدئ غير فاعله .
فصل في تمييز وجوه الأفعال الراجعة إلى فاعلها
لا يخلو حال الفاعل من أقسام ثلاثة :
أوّلها : أن يكون مختارا ، وعلامته تعلّق المدح والذمّ بأفعاله إذا حصل شرطها ،
وثانيها : أن يكون محمولا ملجأ ، وعلامته أن يقوى دواعيه ، إمّا إلى أن يفعل أو إلى أن لا يفعل ، على حدّ يسقط معه المدح والذمّ ، ويصير ذلك الفعل في الحكم كأنّه لغيره .
وثالثها : أن يكون فاعلا على طريق السهو ، مع فقد العلم والقصد ، وهذا الوجه ممّا ينتفي معه أيضا المدح والذمّ ، أو الحسن والقبح عند أبي عليّ وأبي هاشم !
وقد بيّنّا فيما مضى أنّ الصحيح خلاف ذلك ، وأنّ الساهي قد يقبح بعض أفعاله ويحسن ، وإن سقط عن قبحه الذمّ وحسنه ، وليس يخلو القادر من هذه الوجوه فيما يفعله وإن جاز أن يخلو فيما لا يفعله ، بأن يمنع من الفعل بالقيد وما جرى مجراه . / 129 /
هذا آخر ما خرج في هذا الكتاب ، يتلوه بعون اللّه في أوّل الجزء الرابع فصل « في افساد قولهم في الكسب » .
والحمد للّه ربّ العالمين وصلواته على نبيّه محمّد وعترته الطاهرين .