ألّا يعدم بالجزء الواحد الأجزاء الكثيرة بما يضادّ ، وقد علمنا خلاف ذلك .
دليل آخر : وممّا يدلّ على ذلك أنّه لو صحّ تعلّق القدرة باعدام الذات من غير إيجاد ضدّ ، صحّ « 1 » من أحدنا أو من القديم تعالى أن يبتدئ فيعدم الأكوان عن الجوهر ، وهذا يؤدّي إلى جواز خلوّ الجوهر من الأكوان ، مع علمنا باستحالة ذلك .
وليس لأحد أن يقول : متى خلا الجوهر من الكون وجب عدمه .
لأنّ ذلك فاسد ؛ لأنّه يؤدّي أوّلا إلى أن يكون إعدام الجوهر في مقدورنا ، بأن نبتدئ فنعدم أكوانها ، ثمّ أنّ الجوهر لا يجوز / 128 / أن يعدم بعدم الكون الموجود فيه ؛ لأنّه لا يحتاج في وجوده إلى الأكوان ، وإنّما يصير بالكون في بعض الجهات .
وليس يمكن أن يقال : إنّه لم يعدم لعدم الكون فقط ، بل لعدمه ولا ما يقوم مقامه من الأكوان .
وذلك أنّ عدم الجوهر إذا وجب ، فالواجب تعليله بالأمر المتجدّد الذي عنده عدم دون ما لم يتجدّد ، ولم يتجدّد إلّا عدم الكون دون انتفاء غيره من الأكوان ، ولو كان عدم الكون موجبا لعدمه ، وجب عدمه لعدمه ، وإن وجد فيه غيره .
وليس له أن يقول : إنّ الحياة متى عدمت ، أو لم توجد أمثالها عدم العلم ، ومتى عدمت ووجد لها مثل لم يعدم العلم ، فقولوا مثل ذلك في الجوهر والكون ؟
وذلك أنّ مثل الشيء فقد يخلفه ويقوم مقامه ، وضدّه لا يجوز هذا فيه ، إلّا إذا ساواه في أنّه يوجب حكما مخصوصا يشتركان فيه ، كما نقوله في المحاورات المتضادّة وأنّ بعضها يسدّ مسدّ بعض في حاجة التأليف ، وهذا لا يصحّ في الأكوان المتضادّة .
وممّا يكشف عن صحّة هذه الطريقة أنّه كان يجب إذا كان العدم مقدورا أن يبتدئ اللّه تعالى إعدام الأكوان عن الجوهر من غير ضدّ يفعله ، فيؤدّي ذلك إلى خروجه من الأكوان كلّها بعد وجودها فيه ، ومعلوم خلاف ذلك ؛ لأنّ من المعلوم أنّ السواد لا ينتفي عن المحلّ على طريقة واحدة إلّا بضدّ يطرأ عليه ، وكلّ هذا واضح لمن تأمّله .
هامش
( 1 ) . في الأصل : أصح .