القديم تعالى به فيما لم يزل . ألا ترى أنّ كونه محسنا ومتفضّلا يقتضي المدح ولا نقص فيه ، ولم يوصف فيما لم يزل من حيث يقتضي الفعلية ؟
ثمّ يقال لهم : ما أنكرتم أن تكون الصفات التي تقتضي المدح ولا نقص فيها على ضربين :
فضرب : يوصف به فيما لم يزل ، من حيث استحقّه لذاته ، ككونه قادرا عالما .
والضرب الآخر : مبنيّ على الفعل ، فلا بدّ يصحّ وصفه بذلك فيما لم يزل ، ككونه محسنا منعما متكلّما ، وهذا بيّن لمن اتّصف من نفسه .
فصل في الحكاية والمحكيّ
اعلم أنّ أبا الهذيل « 1 » وأبا عليّ من بعده ، كانا يذهبان إلى أنّ الحكاية هي المحكيّ ، وأنّ التالي للقرآن يسمع منه كلام اللّه على الحقيقة ، وأنّ الكلام يصحّ عليه البقاء ، ويجوز وجوده في الحالة الواحدة ، وهذا واضح .
فصل في وصف القرآن بأنّه مخلوق
اعلم أنّ الصحيح في فائدة وصف الشيء بأنّه مخلوق ، أنّه حدث من فاعله مقدّرا ، وهو مذهب أبي عليّ ، وكان أبو هاشم يذهب إلى أنّ هذا الوصف مشتقّ من الخلق وهو التقدير ، وعنده أنّ التقدير والخلق جميعا هما الإرادة ، وأنّ الخالق قد يكون خالقا لفعل غيره ، وقد يشترك الإتيان في تقدير الشيء ، فيكونان عنده خالقين له .
وكلّ هذا لا يليق بالمذهب الذي قدّمناه .
وامتنع أبو هاشم من وصف المعدوم بأنّه مخلوق ، وإن كان مرادا ؛ لأنّه جعل الإرادة إذا تعلّقت بالموجود سمّيت خلقا ، وإذا تعلّقت بالمعدوم لا تستحقّ هذه التسمية ، كما نقوله
هامش
( 1 ) . هو محمّد بن الهذيل بن عبد اللّه العلّاف ، ولد سنة 4 - 135 ه بالبصرة ، ثمّ هاجر إلى بغداد وانضمّ إلى مدرسة واصل بن عطاء ، وارتقى إلى أن صار من رؤوس المعتزلة وأركانها ، ويعدّ رائد التأليف في علم الكلام عند المعتزلة ومنها انتشرت آرائه في كتب المتكلّمين ، توفى سنة 226 أو 227 أو 235 ه .