والذي يبيّن صحّة ما اعتمدناه أنّهم لا يسمّون من فكّر في قطع الأديم وأراد قطعه ، وهو غائب عنه أو حاضر من غير أن يماسّه ويمدده ويرسم عليه الخطوط والرسوم خالقا ، فإذا فعل ما ذكرناه سمي خالقا . ألا ترى إلى قول الشاعر :
ولا يئط بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق إلّا جيّد الأدم « 1 »
وإنّما يأط بأيديهم إذا باشروه ومدّدوه ، ورسموا عليه الرّسوم ، وقوله : « خلقت الأديم » مجاز ، وفيه حذف والمراد خلقت تقديره / 121 / .
وإذا صحّت الجملة التي قدّمناها ، فقد كان القياس يقتضي - لولا ضرب من التعارف وسببيّته - أن يسمّى القرآن ، وكلّ كلام وقع مقدرا مقصودا به إلى وجه من وجوه الحكمة ، بأنّه مخلوق ، ولكنّهم تعارفوا لفظة « الخلق » و « الاختلاق « 2 » » في الكلام إذا كان كذبا مضافا إلى غير قائله ، ولهذا يقولون فيمن كذب أنّه : « خلق ، واختلق ، وخرق واخترع وافتعل ، كلّ ذلك بمعنى ذلك واحد ، وفي التنزيل :
وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 3 » ، ويقولون في القصيدة : إنّها مخلوقة متى أضيفت إلى غير قائلها ، لأنّ إضافتها إلى غير قائلها كذب ، وإن كانت هي في نفسها تتضمن الصدق ؛ لأنّهم راعوا في هذه اللفظة - إذا استعملوها في الكلام - معنى الكذب .
وقد نصّ صاحب كتاب العين وصاحب الجمهرة في كتابيهما على ما يشهد بما ذكرناه في معنى هذه اللفظة .
وقال اللّه تعالى :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
« 4 » و
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
« 5 » و
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
« 6 » وهذه الجملة تمنع من إجراء لفظ « الخلق » على القرآن ، لئلا يوهم أنّه كذب ، أو مضاف إلى غير قائله .
وممّا يوضح عن صحّة ما قلناه ، إنّه لا يمكن أحد أن يحكي عن ناطق باللّغة العربية في شعر أو نثر أنّه استعمل لفظة « مخلوق » في الكلام ، إلّا على معنى الكذب أو الإضافة إلى غير قائله ، وقد روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - لمّا أنكر الخوارج التحكيم ، أنّه قال لهم :
هامش
( 1 ) . تفسير التبيان 6 : 369 .
( 2 ) . في الأصل : الاختلاف .
( 3 ) . سورة الأنعام : 100 .
( 4 ) . سورة العنكبوت : 17 .
( 5 ) . سورة ص : 7 .
( 6 ) . سورة الشعراء : 137 .