تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
في العزم : أنّ الإرادة لا تسمّى عزما إلّا متى كان مرادها معدوما ، ومع وجود المراد لا تسمّى بذلك . وقد ذهب أحد شيوخ أصحاب أبي هاشم إلى أنّ الخلق التقدير ، والتقدير هو الفكر والنظر في حال الأمر المقدور ، ووافق أبا هاشم على أنّ المخلوق مشتقّ من الخلق . قال : ولو عرّف الشرع لم أصف اللّه تعالى بأنّه خالق لشيء من أفعاله ؛ لأنّ المعنى الذي يقتضيه اللغة في هذه اللفظة لا يجوز عليه . والذي يدلّ على صحّة المذهب الذي اخترناه : إنّا وجدنا أهل اللغة متى وجد [ وا ] الفعل مقدّرا ، وصفوه بأنّه مخلوق ، ولهذا وصفوا الإنسان والسماوات والأرض بذلك ، ومتى لم يقع مقدارا لم يصفوه بذلك ، كأفعال السّاهي والنائم ، وكلّ هذا من غير أن يخطر ببال الواضعين بذلك إرادة ولا فكر أو لا رويّة ، كما أنّهم يصفون من فعل المحكم من الفعل بأنّه عالم ، من غير أن يخطر ببالهم علم به كان عالما ، وكما أنّا نمتنع من كون الوصف بأنّه عالم مشتقّا من العلم ، وإن كان العالم منّا لا يكون كذلك إلّا مع وجود العلم ، فكذلك يجب أن يمتنع من مثل ذلك في المخلوق ، وإن كان الخالق لا بدّ أن يكون قاصدا ومريدا ، وبعض المريدين قد يكون مفكّرا . واعتلّ أبو هاشم لقوله بأنّ الشاعر في قوله :
ولأنت تَغري ما خَلَقتَ ، وبع * ض القوم يخلقُ ثُمّ لا تغري « 1 »
أثبته خالقا ونفى كونه قاطعا ، فوجب أن يكون الخلق غير الغري الذي هو القطع ، وأنّ الخلق هو قصده إلى القطع ، فلذلك مدح في صدر البيت من يفعل ما يعزم عليه ، زاريا على من يغرم ولا يفعل . وهذا الذي احتجّ به لا حجّة فيه ؛ لأنّ قولهم : « خلقت الأديم » أي خلقت تخطيطه والرسوم التي تفعل فيه ، ليدلّ على ما يصنع منه من الآلات ، وقد يفعل ذلك ولا يكون قاطعا له ، فخلق الأديم على قولنا وقوله غير قطعه وفريه ، وإنّما يصحّ ذلك ما ذكره ، لو لم يكن هناك فعل واقع بحسب الحاجة الداعية سوى القطع ، ثمّ نفى كونه قاطعا مع إثباته خالقا ، فأمّا والأمر على ما ذكرناه فلا شبهة فيما ذكره .
هامش
( 1 ) . تفسير التبيان 6 : 369 و 7 : 354 ، وهذا البيت لزهير راجع ديوانه : 29 .