أحدهم : « قلت برأسي كذا » و « قال الفرس فركض » و « قالت السماء فهطلت » ولا قول هناك يخبرون به ، وإنّما أرادوا المذهب الذي ذكرناه ، وقال اللّه تعالى مخبرا عن السماء والأرض :
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 1 » وإنّما أرادوا سرعة التأتّي .
وقال أبو النجم « 2 » :
قد قالت الأنساع « 3 » للبطن الحق * قدما ، وفآضت كالفتيق لمحنق
« 4 » ولا قول هناك يخبر عنه ، وإنّما أراد أنّ البطن « 5 » لحق بالظهر .
وممّا استشهد به على أنّ العرب تذكر القول ولا تريد به النطق المعقول - وإن كان غير مشتبه كما « 6 » تأوّلنا عليه الآية في معناه - قول الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطني « 7 » * . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الآخر :
وقالت العينان سمعا وطاعة * وحدّرتا كالدّر لما . . . « 8 »
وليس لأحد أن يقول : هذا كلّه تجوّز من القوم وتوسّع ، والآية على ظاهرها ؛ لأنّ القول وإن كان في لغتهم عبارة عن الكلام المعقول ، فإنّهم إذا استعملوه في مثل هذا الموضع كان حقيقة في المعنى الذي ذكرناه ، ولم يكن مجازا بل خلفا من الكلام لو أريد به القول الذي هو الكلام . ألا ترى أنّ الأسبق إلى فهم من خاطبوه بما حكيناه عن قولهم : « فلان يقول للشيء : كن فيكون » و « قلت فدخلت » وما أشبه ذلك ، ما ذكرناه من المعنى دون غيره ، والأسبق إلى الفهم هو الحقيقة ، وقد بيّن من سبق إلى الكلام على هذه الشبهة ، أنّ الآية دالّة على حدوث الكلام من وجوه :
منها : إنّه تعالى علّق القول بالإرادة ، وأدخل على كونه مريدا لفظة « إذ » ، وهي
هامش
( 1 ) . سورة فصّلت : 11 .
( 2 ) . في لسان العرب مادّة ( حنق ) : أبو الهيثم .
( 3 ) . في الأصل : العينان .
( 4 ) . تفسير التبيان : 1 / 431 ، تفسير مجمع البيان 1 : 368 .
راجع لسان العرب مادّة ( حنق ) وروايته : ( قد قالت . . . ) . يصف الشاعر في هذا البيت ناقة أنضاها السير ، الأنساع جمع نسع ( بكسر النون وسكون السين ) وهو السير ، لحق البطن : ضمر ، آض : صار ورجع ، الفتيق : الجمل الفحل ، المحنق : الضامر القليل اللحم .
( 5 ) . في الأصل : النطق .
( 6 ) . في الأصل : لما .
( 7 ) . لم نعثر على قائله في المصادر المتاحة بأيدينا .
( 8 ) . لم نعثر على قائله في المصادر المتاحة بأيدينا .