اللسان مقولا ، من حيث استعمل في القول ، فما رأيناهم اشتقوا لكلّ آلة استعملت في أمر من الأمور أسماء من ذلك الأمر . ألا ترى أنّهم لم يفعلوا ذلك في آلات الكتابة والتجارة والضرب ، وكثير ممّا لم نذكره .
وإذا جاز أن يختلف مذهبهم في هذا الباب ، فيشتقّوا لبعض الآلات ممّا استعملت فيه دون بعض ، فألّا جاز أن يشتقّوا لبعض المحالّ مما وجد فيه دون بعض ، وهذا ممّا لا فصل فيه ؟
ثمّ يقال لهم : كيف يجوز أن يكون قولهم : « متكلّم » من الأوصاف المشتقّة لمحلّ الكلام ، وهذا الوصف بعينه هو الذي اشتقّوه لفاعل الكلام ، ولم نجدهم في موضع من المواضع جعلوا الوصف المشتقّ للفاعل والمحلّ واحدا !
فإن قالوا : إنّما جاز ذلك ؛ لأنّ محلّ الكلام هو الذي ينسب إليه الكلام على سبيل الفعلية .
قلنا : هذا باطل ؛ لأنّ اللّه تعالى لو فعل كلاما ما عندكم في بعض المحالّ ، لكان الموصوف بأنّه متكلّم على مذاهبكم هو المحلّ ، وإن كان الفاعل له هو اللّه تعالى .
ثمّ محلّ الحركة من أحدنا عندكم هو الفاعل للحركة أو المكتسب لها ، ومع هذا فلم يصفه أهل اللغة من حلول الحركة فيه بالوصف الذي يصفون به الفاعل ؛ لأنّهم قالوا :
متحرّك للمحلّ ومحرّك للفاعل .
ثمّ يقال له : أليس كلام أحدنا يوجد في المحالّ ، ولا يشتقّون للمحلّ منه متكلّم ؛ لأنّه « 1 » من فاحش الخطأ والهفوات ، أو الصدى بأنّه متكلّم وآمر وناه ، ومن نسب ذلك إلى أهل اللغة ، كمن نسب إليهم تسمية الإنسان بالبهيمة والبهيمة بالإنسان ، وإنّما جاز ألّا يصفوا محلّ كلام أحدنا بأنّه متكلّم ، جاز ذلك في محلّ كلامه تعالى وسقطت شبهتهم .
فإن قالوا : كلامنا هو الموجود في النفس ، لا المسموع الذي هو من قبيل الصوت .
قلنا : وإن كان كذلك ، أليس لا بدّ له من محلّ في نواحي القلب ، ومحلّه لا يوصف بأنّه متكلّم ؛ لأنّ فساد ذلك في اللغة وعرفها ، كفساد وصفّ اللسان بأنّه متكلّم !
فإن قالوا : هم وإن لم يصفوا المحلّ بأنّه متكلّم ، فقد وصفوا ما ذلك المحلّ بعضه من
هامش
( 1 ) . في الأصل : لان .