جملة الحيّ بأنّها متكلّمة بذلك الكلام ، وهذا لا يتأتّى في الكلام الذي يفعله اللّه تعالى ؟
قلنا : هذا أوّلا يبطل قولكم لا بدّ من اشتقاق المحلّ .
ثمّ أنّهم إنّما وصفوا من ذلك المحلّ بعضه بأنّه متكلّم ، من حيث فعله ووقع بحسب قصوده وأحواله ، كما وصفوا بأنّه متحرّك « 1 » إذا وقعت الحركة في بعضه مطابقة لأحواله ، وهذا يقتضي أنّ الموصوف بأنّه متكلّم فاعل للحركة ، ويقتضي أنّ كلام اللّه تعالى إذا وجد في بعض المحالّ فهو تعالى المتكلّم به ، كما أنّ الحركة التي نفعلها في بعض الذوات هو الموصوف بأنّه المحرّك بها .
وممّا قيل على هذه الطريقة : إنّ السبب في أنّ العرب لم يشتقّوا المحلّ ممّا يحلّه إذا كان المحلّ . . . . . . « 2 » مدركا عند إدراك الحالّ فيه ، ولما كان الصوت يدرك بالسمع من غير إدراك محلّه ، ويعلم من إدراك محلّه ، ويعلم من غير إدراك محلّه ، ويعلم من غير أن يشعر بمحلّه ، جرى مجرى الرائحة التي تدرك من غير تميّز محلّها ، وفارق الألوان التي تدرك محالّها بإدراكها ، فلهذا لم يشتقّوا المحلّ الرائحة واشتقّوا المحلّ السواد .
ويمكن أن يقولوا : على هذا إنّهم قد اشتقّوا لمحلّ الرائحة مريح ، وهذا الوصف وإن وصف به مدرك الرائحة وواجدها ؛ لأنّهم يقولون : أراح وراح إذا وجد الريح ، فقد وصفوا أيضا محلّ الرائحة بذلك ، فقالوا : أراح الشيء / 119 / إذا نتن ، وأروح أيضا على الأصل ، إلّا أنّ الكلام لازم لهم على محال ؛ لأنّهم لم يشتقّوا لمحلّ الرائحة الطيّبة وصفاتها ؛ لأنّهم لا يقولون أراح الشيء فهو مريح إلّا في محلّ الرائحة المكروهة ، وكذلك أيضا لم يشتقّوا لمحلّ الرائحة في الأصل وصفا ؛ لأنّهم لا يكادون يقولون : أراح الشيء ، إلّا فيما تغيّرت حاله إلى ذلك بعد أن لم يكن عليه .
وممّا نوقضوا به على هذه الطريقة أن قيل لهم : ما وجدناهم اشتقّوا لمحلّ النعمة والتفضّل والإحسان واللطف وصفا ، وكذلك محلّ الصوت ومحلّ الكتابة ، وإذا جاز ذلك فيما ذكرناه ، جاز في محلّ الكلام مثله ؟
ولهم أن يقولوا : إنّ التفضّل والإحسان والنعمة واللطف ، قد اشتقّوا منه للمحلّ وصفا ، وإن لم يكن ذلك الوصف مأخوذا من هذه الألفاظ . ألا ترى أنّ النعمة أو اللطف إذا كان
هامش
( 1 ) . في الأصل : محرك .
( 2 ) . كلمة غير مقروءة في الأصل .