التضادّ ؛ لأنّ أحدنا لا يفعل الكلام إلّا بآلة ، فإذا كان فيها آفة وفساد تعذّر عليه فعل الكلام بها ، والسكوت إذا كان معناه العدول عن استعمال جارحة الكلام في أسبابه ، لم يصحّ فيمن يتكلّم بآلة أن يكون متكلّما في حال هو فيها ساكت .
فأمّا الكلام في أنّ الحيّ قد يخلو ممّا يتضادّ عليه ، إذا سلّمنا أنّ بين الكلام وبين الخرس والسكوت تضادا ، فبيّن أيضا ؛ لأنّ أحدنا ليس بجاهل ولا ساه عمّا لا يتناهى من المعلومات ، ومع ذلك فليس هو عالما بهما ، وكثير من الأمور لا يخطر ببالنا فيخلو فيها من الاعتقادات كلّها مع تضادّها ، وكثير أيضا ممّا يخطر ببالنا قد يخلو من مثل ذلك فيه ، كعدد القطر والرمل وما أشبههما « 1 » .
ثمّ ما يلزم من اعتمد هذه الشبهة من المعارضات التي لا انفصال له منها ظاهر :
فمنها : إنّ أحدنا متى انتفى عنه الخرس أو السكوت ، إنّما يجب أن يكون متكلّما بآلة مخصوصة من لسان وفم . ألا ترى أنّ من لم يكن في الشاهد متكلّما بآلة من فم ولسان ، فلا بدّ من أنّ الفاعل منه دون المحلّ والجملة ؛ لأنّه ليس خلاف ما يضاف إلى الفاعل لما يضاف إلى محلّ أو جملة ، بأكثر من خلاف ما يضاف إلى الجملة لما يضاف إلى المحلّ ، وهذا كلّه يبني من أنّ اشتقاق القوم لم يجيء على منهاج واحد .
على أنّ أهل اللغة قد سمّوا اللسان مقولا بلا شبهة ، فليس يخلو هذا الاسم من أن يكون جرى عليه من حيث كان محلّا للقول ، أو من حيث كان آلة يستعمل في القول .
فإن كان الأوّل ، فذلك يقتضي وجود اشتقاق المحلّ من القول الحالّ فيه ، بخلاف ما ظنّوه من اللفظ المضاف إلى الفاعل ؛ لأنّ المشتقّ للفاعل من القول قائل .
وليس لهم أن يقولوا : مقول مأخوذ من لفظ « القول » لا من لفظ الكلام ، ونحن إنّما أوجبنا الاشتقاق من صفة الكلام ؛ لأنّها أخصّ الأوصاف .
وذلك أنّ القول من صفات الكلام ، وإذا اشتقّوا للمحلّ منه ، فقد اشتقّوا له من بعض صفات الكلام ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّه ليس من عادتهم أن يشتقّوا المحلّ من جميع الأوصاف .
وكما أنّ القول ليس بأخصّ أوصاف قولنا « 2 » وياء ونون وما أشبه الكلام ، وكذلك قولنا :
كلام ليس من الصفات الخاصّة ، بل أخصّ أوصافه قولنا : راء « 3 » وياء ونون وما أشبه ذلك ، كدخول المختلف فيه تحت قولنا : « كلام » ، كدخوله تحت « القول » ، وإن كانوا إنّما سمّوا
هامش
( 1 ) . في الأصل : أشبهها .
( 2 ) . في الأصل : رأى .
( 3 ) . في الأصل : رأى .