لهذين المعقولين المتعلّقين بالجارحة ، فحينئذ يقال لهم : ومن أين لكم انتفائهما عنه تعالى فيما لم يزل ، وإلّا كان عليهما أو على أحدهما ، وإلّا اجتمعا مع كونه متكلّما ؛ لأنّهم لا طريق لهم إلى إثباتهما ضدّين للكلام ، كما يثبت مضادّة الخرس المعقول للكلام المعقول !
فإن قالوا : لو كان عليهما لكان على صفة نقص .
قلنا : ما أنكرتم أنّ النقص إنّما يتعلّق بالخرس والسكوت المتعاقبين على اللسان ، من حيث كان دلالة على الحدث والحاجة ونفي القدم ، فأمّا ما يخالف ذلك وبيانه فمن أين أنّه نقص ؟
فإن قالوا : ثبوت كونه متكلّما الآن ، يدلّ على أنّه لم يكن فيما لم يزل بصفة الساكت والأخرس ؛ لأنّه لو كان كذلك لكان ما أوجب كونه أخرس أو ساكتا ، قديما لوجوده مع ما لم يزل ، والقديم يستحيل بطلانه .
قلنا : أليس قد ألزمناكم صحّة اجتماع الخرس والسكوت مع الكلام ، إذا أبيتم ذلك كلّه مخالفا للمعقول ، فكيف يلزم على هذا الوجه عدم القديم ، وذلك إنّما يلزم لو كان السكوت أو الخرس لا يصحّ اجتماعه مع الكلام ، وقد بيّنّا أنّ ذلك ممّا لا سبيل لكم إليه على مذاهبكم الفاسدة .
ثمّ من أين لكم أنّه الآن متكلّم ، وأنّ له كلاما ، مع قولكم إنّ الكلام يخالف الأصوات المعقولة ، والذي ثبت له وعقلناه من الكلام هو هذا المسموع المدرك ، وما هو بخلاف ذلك ممّا يدّعونه لم يثبت ولا كلام عليه .
ثمّ لو سلمنا أنّه الآن متكلّم بما تدّعونه من الكلام ، لم يوجب ذلك ما ظننتموه ؛ لأنّ القديم يلزمكم - على أصولكم الفاسدة - أن يكون ممّا يجوز العدم والبطلان عليه ؛ لأنّ الأجناس كلّها عندكم على ما هي عليه لأنفسها ، كالسواد والجوهر ، ويخرج في العدم عندكم من الصفات التي يستحقّها لنفوسها .
وبعد « 1 » ، فإنّكم تفسّرون الصفة النفسيّة بأنّها المستحقّة لا لعلّة ، لا يمتنع أن يخرج الموصوف عنه ، وإنّما يحيل خروج الموصوف عن النفسية من جعل فائدتها التمييز له
هامش
( 1 ) . في الأصل : بعدكم .